محمد جواد المحمودي

597

ترتيب الأمالي

فقال : « بلى يا أشعث ، قد أنزل اللّه عليهم كتابا وبعث إليهم نبيّا ، وكان لهم ملك سكر ذات ليلة فدعا بابنته إلى فراشه فارتكبها ، فلمّا أصبح تسامع به قومه فاجتمعوا إلى بابه فقالوا : أيّها الملك ، دنست علينا ديننا فأهلكته ، فأخرج نطهّرك ونقم عليك الحدّ . فقال لهم : اجتمعوا واسمعوا كلامي ، فإن يكن لي مخرج ممّا ارتكبت وإلّا فشأنكم . فاجتمعوا فقال لهم : هل علمتم أنّ اللّه عزّ وجلّ لم يخلق خلقا أكرم عليه من أبينا آدم وأمّنا حواء ؟ قالوا : صدقت أيّها الملك . قال : أفليس قد زوّج بنيه من بناته ، وبناته من بنيه ؟ قالوا : صدقت ، هذا هو الدّين . فتعاقدوا على ذلك ، فمحا اللّه ما في صدورهم من العلم ورفع عنهم الكتاب ، فهم الكفرة يدخلون النّار بلا حساب ، والمنافقون أشدّ حالا منهم » « 1 » . فقال الأشعث : واللّه ما سمعت بمثل هذا الجواب ، واللّه لا عدت إلى مثلها أبدا . ثمّ قال عليه السّلام : « سلوني قبل أن تفقدوني » . فقام إليه رجل من أقصى المسجد متوكّيا على عكازة « 2 » ، فلم يزل يتخطّى النّاس حتّى دنا منه فقال : يا أمير المؤمنين ، دلني على عمل إذا أنا عملته نجّاني اللّه من النّار . فقال له : « اسمع يا هذا ، ثمّ افهم ، ثمّ استيقن ، قامت الدنيا بثلاثة : بعالم ناطق مستعمل لعلمه ، وبغنيّ لا يبخل بماله على أهل دين اللّه عزّ وجلّ ، وبفقير صابر ، فإذا كتم العالم علمه وبخل الغنيّ ولم يصبر الفقير فعندها الويل والثبور ، وعندها يعرف العارفون باللّه أنّ الدار قد رجعت إلى بدئها أي إلى الكفر بعد الإيمان . أيّها السائل فلا تغترنّ بكثرة المساجد وجماعة أقوام أجسادهم مجتمعة وقلوبهم شتّى ، أيّها النّاس إنّما النّاس ثلاثة : زاهد وراغب وصابر ، فأمّا الزاهد فلا يفرح بشيء من الدنيا أتاه ، ولا يحزن على شيء منها فاته ، وأمّا الصابر فيتمنّاها بقلبه

--> ( 1 ) قال العلّامة المجلسي قدّس سرّه في البحار : قوله عليه السّلام : « والمنافقون أشدّ حالا منهم » ، تعريض بالسائل لأنّه كان منهم . ( 2 ) العكاز : عصا ذات زجّ .