سبط ابن الجوزي

22

تذكرة الخواص من الأمة بذكر خصائص الأئمة ( ط المجمع العالمي )

وقاصدين ، وربي طول زمانه في جاه عريض عند الملوك والعوام نحو خمسين سنة . وكان مجلس وعظه مطربا ، وصوته فيما يورده فيه حسنا طيّبا ، رحمه اللّه ورضي عنه « 1 » . ومنها مجالس وعظه التي حضرها أبو شامة في صغره وكبره ، ووصفها غير مرّة بإسهاب ؛ فقد قال في حوادث سنة 600 ه : وأوّل هذه السّنة سافر الشّيخ شمس الدّين أبو المظفّر سبط ابن الجوزي الواعظ رحمه اللّه من بغداد إلى الشّام . . . كانت مجالس وعظه من محاسن الدّنيا ولذّاتها ، فكأنّ اللّه قد جمع له حسن الصّورة ، وطيب الصّوت ، وظرافة الشّمائل في الإيراد والجوابات واللّباس وسائر الحركات ، فكان يزدحم في مجلسه ما لا يحصى من الخلق رجالا ونساء ، والنّساء بمعزل عن الرّجال في جامع دمشق وجامع الجبل ، حضرت مجالسه في صغري وكبري في الموضعين مرارا . وكان لا يفارق أحد مجلسه إذا انفضّ إلّا وشوقه مستمرّ إلى عودته في الأسبوع الآخر ، فإنّه كان يجلس كلّ سبت ، وتبسط السجّادات والحصر والبسط في كلّ المواضع القريبة من المنبر ، ما بينه وبين القبّة في يوم الجمعة . ويبيت النّاس ليلة كلّ سبت حلقا يقرأون القرآن بالشّموع ، كلّ ذلك فرحا بالمجلس ، مسابقة إلى الأماكن ، وعادة الدّمشقيّين التّفرّج في أيّام السّبت ، ويبطلون عن أشغالهم بالمدينة ، وينقطعون في بساتينهم ، وكانوا لا يفوتون حضور المجلس ، ثمّ ينصرفون منه إلى فرحهم ، فلا ينقضي يومهم إلّا بالتّذاكر ، لما وقع فيه من المحاسن ، وإنشاد الأشعار ، والتّحدّث بمن أسلم فيه أو تاب ، وإيراد ما كان فيه من سئوال وجواب ، ولم يزل على ذلك مدّة سنين ، ثمّ اقتصر على المجلس في الأشهر

--> ( 1 ) ذيل الرّوضتين ، ص 195 .