الشيخ محمد مهدي الآصفي

22

ولاية الأمر ، دراسة فقهية مقارنة

والخطاب في هذه الأحكام يتوجّه إلى المجتمع ، بصفة الاجتماع ، فلا يمكن ولا يجوز أن يتولّى فرد أو أفراد من تلقاء أنفسهم إجراء الحدود الشرعية ، مثلًا أو القضاء أو قيادة القتال ، وذلك لاستحالة التنفيذ الفردي لهذه الأحكام عادة ، والطريقة الطبيعيّة لتنفيذ مثل هذه الأحكام والخطابات الموجّهة إلى المجتمع من حيث المجموع ، هو التنفيذ المركزي لهذه الخطابات ، وذلك بقيام ولي الأمر وجهاز الحكم المركزي بتنفيذ مثل هذه الأوامر ، المتعلّقة مثلًا بإجراء الحدود الشرعية ، أو القضاء وفصل الخصومات ، وقيادة القتال والحرب ، وأمثال ذلك . وبذلك تتحقّق ( الصفة الجمعية ) في التنفيذ المطلوبة في مثل هذه الأحكام ، ومن هذه الأحكام قوله : السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما « 1 » . الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ « 2 » . وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ « 3 » . وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ « 4 » . وغير ذلك من الواجبات الاجتماعية في القرآن ، وهذه الطائفة من الآيات لا تخاطب الأفراد على نحو ( الواجب الكفائي ) ، بحيث يكون لكل فرد خطاب ، فإذا امتثل للخطاب من به الكفاية سقط من الآخرين ، وإن لم يمتثله أحد منهم عوقبوا جميعاً . ولا تخاطب الأفراد على نحو ( الواجب العيني ) ، بحيث يكون لكل فرد منهم

--> ( 1 ) . المائدة : 38 . ( 2 ) . النور : 2 . ( 3 ) . الأنفال : 60 . ( 4 ) . الأنفال : 39 .