علي بن مهدي الطبري المامطيري
50
نزهة الأبصار ومحاسن الآثار
والهداة إلى الدين القيّم ، وسلّم تسليما . أمّا بعد - وفّقك اللّه للهدى ، وعصمك بما عصم به أهل التقى ، وجعلك من أهل الشهادة في الآخرة والأولى - فإنّ العلم لمّا رأيته قد تمحّق « 1 » ، والأدب قد تفرّق ، منذ اصطلح أكثر الناس على هجرهما ، واتّفقوا على الانحراف عن أهلهما ، واسترجحوا الجهالة ، واستحقّوا البطالة ، وكان أعظم عيب العالم الفقيه أن يكون فصيحا أديبا ، ومع نفاذه في الفقه شاعرا خطيبا ، وعمّ عامّة الناس النقص ، وشملهم الوهن ، صرفت حظّا من عنايتي ، وطرفا من همّتي إلى جمع ما كان متبدّدا في الكتب ، وتأليف ما كان متفرّقا عند العلماء : من الأخبار المونقة ، والألفاظ الفصيحة ، والأشعار الرائقة ، والمعاني البديعة المأثورة المرويّة عن أهل بيت النبيّ عليه [ وعليهم ] السلام ؛ لأجعل ذلك ذريعة ، وأصيّره وسيلة إلى تنفيق الأدب بعد بواره « 2 » ، وإقامة سوقه بعد كساده ؛ إذ كانت الأخبار مصائد القلوب ، وحبائل النفوس من حيث يتنزّه القارئ بها ، ويتنشّط السامع لها ، ويزداد المتفصّح بها فصاحة ، والمبتدئ بها رجاحة ، والمتأمّل لها عبرة وبصيرة . وكان مثلي في تأليف هذا الكتاب مثل رجل وجد جوهرا منثورا فاتّخذ له عقدا منظوما ، وصيّر له سلكا باقيا ؛ لأنّي وجدت ما وجدت منه متفرّقا في الكتب ، متبدّدا فيها ، فكفيت المتأمّل فيه والطالب له مؤونة الطلب ، وأعفيته عن مشقّة الجمع ، وترجمت الكتاب ب « نزهة الأبصار ومحاسن الآثار » ؛ لما فيه من النزهة الشهيّة ، والمحاسن السنيّة ، والفوائد الجليلة ، والمعاني الفائقة ، والأخبار الرائقة ، الدالّة على مكارم الأخلاق ، ومآثر الأفعال ، ومحمود الشيم ، وكريم الخيم ، وتعريف أيّام الماضين وآثار المتقدّمين من أهل بيت النبيّ عليهم السلام أجمعين ؛ ليعلم الناظر فيها ، ويستشعر المتأمّل لها طهارة أخلاقهم ، وكرم طباعهم ، وسموّهم ، ونبل أنفسهم ، وبراعة علمهم ، وغزارة أدبهم ، وبيان فصاحتهم ، وغرر أشعارهم ، وتقديم اللّه تعالى لهم ،
--> ( 1 ) . تمحّق الشيء : اضمحلّ وانمحى وزال . ( 2 ) . تنفيق الأدب : ترويجه ، وبواره : كساده .