علي بن مهدي الطبري المامطيري
426
نزهة الأبصار ومحاسن الآثار
وشرورهم مأمونة ، وأجسادهم نحيفة ، وحاجاتهم خفيفة ، وأنفسهم عفيفة ، صبروا أيّاما قصيرة أعقبتهم راحة طويلة ، تجارة مربحة يسّرها لهم ربّهم ، أرادتهم الدنيا فلم يريدوها ، وأسرتهم ففدوا أنفسهم منها . أمّا الليل « 1 » فصافّون أقدامهم ، تالين لأجزاء القرآن يرتّلونها ترتيلا ، يحزّنون به أنفسهم ويستثيرون دواء دائهم ، فإذا مرّوا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعا ، وتطلّعت نفوسهم إليها شوقا ، وظنّوا أنّها نصب أعينهم ، وإذا مرّوا بآية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم ، وظنّوا أنّ زفير جهنّم وشهيقها في أصول آذانهم ، فهم حانون على أوساطهم ، مفترشون لجباههم وأكفّهم وركبهم وأطراف أقدامهم ، يطلبون إلى اللّه تعالى فكاك رقابهم . وأمّا النهار فحلماء علماء ، أبرار أتقياء ، قد براهم الخوف بري القداح ، ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى - وما بالقوم من مرض - ويقول : قد خولطوا - ولقد خالطهم أمر عظيم - ، لا يرضون من أعمالهم القليل ، ولا يستكثرون الكثير ، فهم لأنفسهم متّهمون ، ومن أعمالهم مشفقون ، إذا زكّي أحدهم خاف ممّا يقال له ، فيقول : أنا أعلم بنفسي من غيري ، وربّي أعلم بي منّي بنفسي ، اللّهمّ لا تؤاخذني بما يقولون ، واجعلني أفضل ممّا يظنّون ، واغفر لي ما لا يعلمون ] « 2 » . ومن علامة أحدهم أنّك ترى له قوّة في الدين ، وحزما في لين ، وإيمانا في يقين ، وحرصا على علم ، وفهما في فقه ، وعلما في حلم ، وكيسا في رفق ، وشفقة في يقظة ، وقصدا في الغنى ، وخشوعا في العبادة ، وتجمّلا في الفاقة ، وصبرا في [ ال ] شدّة ، ورخصة للمجهود ، وإعطاء في حقّ ، ورفقا في كسب ، وطلبا في الحلال ،
--> ( 1 ) . من هنا إلى قوله : « أمر عظيم » ورد أيضا في سياق خطبة له ع رواها الموفّق باللّه الجرجاني في الاعتبار وسلوة العارفين مسندة عن الحسن بن عليّ ع . ( 2 ) . من قوله : « ف إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا » إلى قوله : « واغفر لي ما لا يعلمون » الذي وضعناه بين المعقوفتين أخذناه من نهج البلاغة وغيره .