علي بن مهدي الطبري المامطيري
337
نزهة الأبصار ومحاسن الآثار
الناس ، فادع اللّه أن يردّها إلى الحالة الأولى ، فدعا اللّه بذلك فعادت إلى حالتها الأولى فذهبت فيها الدعوات الثلاث . وكان اسمها : البسوس ، فلذلك يقول الناس : أشأم من البسوس . ( 211 ) ويروى أنّ ملكا من العرب غزا ملكا آخر ، فحاصره في حصار وأناخ على بابه ، ولم يقدر على الوصول إليه حتّى صعدت ابنة المحصور إلى ما فوق الحصار ، فأطلعت إلى الملك القاصد إلى والدها فرأته شابّا وضيئا ، فأعجبت به ، وكتبت على سهم : أنّي أحبّك ، وأدلّك على موضع من الحصار للدخول إن وفيت وتزوّجت بي ! ورمت بالسهم إلى الملك ، فوقع قدّامه بلا نصل ، فقرأه الملك ورمى إليها بمثله ، وكتب عليه : لك الوفاء بذلك ، فرمت إليه الجارية وأعلمته الموضع للدخول ، فعبّأ الملك جيشه ودخل إلى والدها في ذلك [ الموضع ] وظفر به وقتله ، وهزم جيشه ، وفلّ عدده وفضّ جمعه ، فلمّا استولى على الحصن والمملكة وفى للجارية بما وعد ، وتزوّج بها فأكرمها ، فبينا هو معها ليلة من الليالي في فراش واحد فتقلقلت الجارية كثيرا وتقلّبت يمنة ويسرة ، فسألها الملك عن السبب ، فقالت : أجد أسفل فراشي شيئا يعقرني ، فأمر برفع فراشها ، فوجدت طاقة آس فيه ، فسألها عمّا كان يغذوها والدها به ، ويكسوها من الكسوة ، فقالت : كان والدي يغذّيني بأدمغة العصافير وشهد النحل ، وكان يكسوني الثياب الكتّان والحرير ، فلمّا أصبح الملك عمد إلى فرس له جواد فشدّ ظفائرها في ذنب الفرس وأعداه في الميدان حتّى تقطّعت قطعة قطعة ! وقال : إنّها لم تصلح لوالدها الذي كانت بعض أبعاضه ، وكان يغذّيها بما ذكرت ، ويلبسها ما وصفت ، فكيف تصلح لي وأنا منها أجنبيّ بعيد ؟ وأنشدنا ابن الأنباري ، قال : أنشدنا أبو العبّاس النحوي لجميل : أتتنا عيون من بلادك لم تجئ * لنا ببيان منك ثمّ عيون بأنّ من الخلّان من يسخط النوى * به وهو واف بالإخاء أمين