علي بن مهدي الطبري المامطيري
233
نزهة الأبصار ومحاسن الآثار
« 125 » ثمّ انصرف ع يومه ذلك ، فلمّا كان من الغد ، وصلّى الفجر قام خطيبا ، فقال : الحمد للّه الذي جعل الحمد مفتاحا لذكره ، وسببا للمزيد من فضله ، ودليلا على آلائه وعظمته . عباد اللّه « 1 » ، إنّ الدّهر يجري بالآخرين من أهله كجريه بالماضين ، لا يعود ما قد مضى ، ولا يبقى سرمدا [ ما ] « 2 » فيه لأهله ، آخر أفعاله كأوائله ، متشابهة أموره ، متواترة أعلامه ، فكأنّ الساعة تحدو بهم كحدو الزاجر « 3 » بشوله ، قد زايل من الخالق أعلامه ، وأظهر لهم إن عقلوا أفعاله ، فمن نزع نعشه لغيره « 4 » تحيّر في الظلمات ، وارتبك في الهلكات ، وخلّى بينه وبين الشبهات ، ومدّت له شياطينه في طغيانه ، وزيّنوا له أفعاله ، فالجنّة غاية المشتاقين ، والنّار غاية المفرّطين . اعلموا عباد اللّه أنّ التّقوى دار حصن حصين ، والفجور دار حصن ذليل ؛ لا يمنع أهله ولا يحول من لجأ إليه ، ألا بالتّقوى يقطع جهد الخطايا ، وبالصّبر على طاعة اللّه ينال ثواب اللّه ، وباليقين تدرك [ ال ] غاية القصوى . عباد اللّه ، إنّ اللّه سبحانه لم يحظر على أوليائه ما فيه النّجا إذ دلّهم عليه ، ولم يقنطهم من رحمته لعصيانهم إيّاه إن تابوا إليه . عباد اللّه ، اللّه اللّه في أعزّ الأنفس عليكم وأحبّها إليكم ؛ فإنّ اللّه سبحانه قد أوضح سبيل الحقّ وأبان تبيانه ، فشقاوة لازمة [ أ ] وسعادة دائمة ، فتزوّدوا في أيّام الفناء [ لأيّام البقاء ] « 5 »
--> ( 125 ) والخطبة رواها الشريف الرضي في المختار ( 157 ) من نهج البلاغة . ( 1 ) . في النسخة كتب فوقه ما ظاهره : « واصوبه ان لا إله » . ( 2 ) . ما بين المعقوفتين مأخوذ من نهج البلاغة ، وهي إضافة يقتضيها السياق . ( 3 ) . في الأصل : « الراجر » . ( 4 ) . وفي المختار ( 157 ) من نهج البلاغة : « فمن شغل نفسه بغير نفسه تحيّر في الظلمات . . . » . ( 5 ) . لفظتا « لأيام البقاء » مأخوذتان من المختار المتقدّم الذكر من نهج البلاغة ولفظة : « قد » أضافها الكاتب بين السطرين مع علامة ( ظ ) ، وفي نهج البلاغة : « قد دللتم على الزاد ، وأمرتم بالظّعن ، وحثثتم على المسير ، فإنّما أنتم كركب وقوف ، لا يدرون متى يؤمرون بالسير . . . » .