علي بن مهدي الطبري المامطيري
190
نزهة الأبصار ومحاسن الآثار
حتّى مات ، وأرسل جذيمة إلى أخته ، فقال لها : حدّثيني رقاش لا تكذبيني * أبحرّ زنيت أم بهجين أم بعبد فأنت للعبد أهل * أم بدون فأنت أهل لدون فقالت : زوّجتني عربيّا معروفا شريفا حسيبا ، ولم تستأمرني في نفسي ، ولم أكن مالكة لأمري ، فكفّ عنها [ جذيمة ] ، وعرّفته عذرها . واشتملت على حبل ، فولدت غلاما ، فسمّته عمرا ، حتّى إذا ترعرع ألبسته وعطّرته وحلته طوقا ، وأزارته خاله ، فلمّا رآه أعجب به ، وألقى عليه محبّة ، فكان يختلف [ إليه ] مع ولده . فخرج جذيمة بأهله في سنة خصبة ، فضربت له أبنية في رياض ذات زهر ، وخرج عمرو مع ولد خاله يجتنون الكمأة ، وعلى عمرو حلّته وطوقه ؛ فلذلك قيل عمرو ذو الطوق ، فكانوا إذا أصابوا [ كمأة ] « 1 » جيّدة أكلوها ، وإذا أصابها عمرو خبّأها ، فانصرفوا إلى جذيمة يتعادون ، وعمرو يقدمهم ويقول : هذا جناي وخياره فيه * إذ كلّ جان يده إلى فيه فضمّه إليه ، وأكرمه ، وسرّ بقوله وفعله ، فبينا هو ذات يوم يجتني وعليه ثيابه وطوقه إذ استطارته « 2 » الجنّ ، فبعث جذيمة خاله في البلدان والآفاق يطلبه زمانا لا يقدر عليه ، وأقام الغلام في الجنّ سبع سنين ، وأقبل رجلان أخوان - يقال لأحدهما مالك ، والآخر عقيل - من الشام يريدان جذيمة ، وقد أهديا له طرفا « 3 » ومتاعا ، فلمّا كانا ببعض الطريق نزلا منزلا ، وفيه قينة يقال لها : أمّ عمرو ، فقدّمت إليهما طعاما ، فبينما هما يأكلان إذ أقبل فتى عريان شاب ، قد تلبّد شعره ،
--> ( 1 ) . في الأصل ( كمأ ) والتصحيح بحسب ما جاء في كتاب غريب الحديث وتأريخ الطبري وقاموس المحيط . ( 2 ) . استطارته الجنّ : خطفته مسرعة . ( 3 ) . في تاريخ الطبري : « ظرفا » .