مركز التحقيقات والدراسات العلمية في المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية
64
موسوعه أصول الفقه المقارن
فهو غير مقدور شرعاً ، وإن كان مقدوراً عليه عقلًا وعادةً ، نعم استقر اصطلاح النائيني في القدرة الشرعية على المأخوذة في خطاب الحكم « 1 » ، وليس هنا محل ذكره . ( قدرة ) ثالثاً : الحكم ونتعرض له ضمن أبحاث كما يلي : الأول : دور الابتلاء [ الامتحان ] في التشريع من واضحات علم الأصول ابتناء بعض الأحكام الفرعيّة الشرعية - كالأحكام العرفية - على ملاك الامتحان والاختبار ، وتسمى الأوامر الواردة بهذا الفرض بالأوامر الامتحانيّة « 2 » . بل فرق في ذلك بين مسلك العدليّة القائلين بثبوت المصالح الواقعية ، وتبعيّة أحكام الشريعة لها « 3 » ، ومسلك الأشاعرة المنكرين لها « 4 » ، بل لعلّه على الثاني أوضح ؛ إذ هذا المقدار من المصلحة - وهي الامتحان - ممّا لابدّ منه في فعل الحكيم خروجاً له عن اللغويّة . بل قد يقال : إنّ الغاية القصوى لجميع أوامر المولى ونواهيه - حتى ما كان لمصلحة أو مفسدة واقعيّة في متعلقه - هي الامتحان « 5 » ، بلا فرق بين ما يعتبر فيه القربة وغيره ؛ إذ التوصلي أيضاً قابل لحصول القربة به إذا أتى بهذا الداعي « 6 » ، وقد أشير إلى ذلك في قوله تعالى : « وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ » « 7 » وقوله تعالى : « وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ » « 8 » . قال المحقّق القمي : « إنّ المحقَّق عند أصحابنا هو التخطئة وأنّ حكم اللَّه الواقعي واحد في نفس الأمر ، إلّاأنّ عمدة العماد في التديّن باللَّه هو أصل التوحيد وخلع الأنداد والأضداد ، والتسليم والانقياد ، وتوطين النفس على تحمّل المشاقّ الواردة من قبله تعالى ، فالأحكام الفرعيّة وإن كانت من الأمور الحقيقيّة المتأصّلة النّاشئة من المصالح النّفس الأمريّة ، لكن العمدة في تأسيسها هو الابتلاء والامتحان وتقوية الإيمان بسبب الامتثال بها والتقرّب بها من جهة الطاعة ، فإذا فهم المكلّف من خطابات الشارع فهماً علمياً بنفس الحكم وامتثل به فهو جامع للسّعادتين ، أي الفوز بالمصلحة الخاصّة الكامنة فيه ، والفوز بالمصلحة العامّة التي هي الانقياد والإطاعة » « 9 » . وقال السرخسي : « فإنّ قول القائل : افعلوا كذا في مستقبل أعماركم ، يجوز نسخه بالنّهي عنه بعد مضيّ جزء من العمر ، ولولا النسخ لكان أصل الكلام متناولًا لجميع العمر ، فبالنّسخ يتبيّن أنّه كان المراد الابتلاء بالعمل في ذلك الجزء خاصّة ، ولايتوهّم فيه معنى البداء أو الجهل بعاقبة الأمر ، فكذلك النسخ بعد عقد القلب على الحكم واعتقاد الحقيّة فيه قبل التمكّن من العمل يكون بياناً أنّ المراد كان عقد القلب عليه إلى هذا الوقت واعتقاد الفرضيّة فيه ، دون مباشرة العمل ، وإنّما يكون مباشرة العمل مقصوداً لمن ينتفع به ، واللَّه يتعالى عن ذلك ، وإنّما المقصود فيما يأمر عباده الابتلاء ، والابتلاء بعزيمة القلب واعتقاد الحقيّة لا يكون دون الابتلاء بالعمل ، وربّما يكون ذلك أهم ، ألا ترى أنّ في المتشابه ما كان الابتلاء إلّابعد البيان يكون الابتلاء قبل البيان بعقد القلب عليه واعتقاد الحقيّة فيه ، ويكون ذلك حسناً لا يشوبه من معنى القبح شيء » « 10 » . ومراده من اعتقاد الحقيّة في المجمل والمتشابه
--> ( 1 ) . فوائد الأصول 1 - 2 : 315 ، 322 . ( 2 ) . فوائد الأصول 1 - 2 : 134 ، لمحات الأصول : 36 . ( 3 ) . نهاية الدراية 2 : 328 و 3 : 406 . ( 4 ) . مختلف الشيعة 5 : 305 . ( 5 ) . انظر : مجموعة الرسائل ( الصافي ) 1 : 147 . ( 6 ) . تقريرات المجدّد الشيرازي 2 : 326 ، الواجبات في الصلاة : 103 . ( 7 ) . الذاريات : 56 . ( 8 ) . البيّنة : 5 . ( 9 ) . القوانين المحكمة : 220 . ( 10 ) . أصول السرخسي 2 : 64 - 65 .