مركز التحقيقات والدراسات العلمية في المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية

59

موسوعه أصول الفقه المقارن

فتكون من الأدلة الفقاهتية « 1 » . لكن صاحب الفصول رفض أن يكون ذلك فارقاً بين المسألتين ، معتبراً أنّ الإباحة في كليهما ظاهرية « 2 » . وأورد عليه بأ نّه مخالف لما ذهب إليه الأعلام من أنّ المقصود من أصالة الإباحة بالمعنى الأول الإباحة الواقعية ، كما يستفاد ذلك من استدلال القائل بأنّ التصرف في الأشياء تصرف في ملك الغير بغير إذنه ، وجواب القائل بالإباحة بأنّ الإذن من المالك معلوم ، فإنّ كلًاّ من الدليل والجواب أدلّ دليل على أنّ المراد بالإباحة والحظر الواقعيين منهما . « 3 » وهناك من رفض التفريق بين المسألتين على أساس الحكم ، فضلًا عن كونه في أحدهما واقعياً أو ظاهرياً ، إذ ليس من شأن العقل إصدار الأحكام ، بل من شأنه إدراك الحسن والقبح ، ولا مجال للقول بأنّ ما حسّنه العقل حسّنه الشرع ؛ لأنّ فرض البحث هو ما كان قبل الشرع وبغض النظر عن وجوده . قال المحقّق الأصفهاني : « إنّ المحمول في المسألة الأولى وإن عُبّر عنه بعنوان الحظر والإباحة ، إلّاأنّ المراد منهما عدم التبعة والحرج عقلًا ، أو التبعة والحرج عقلًا ؛ لأنّ الإباحة التكليفية والحظر التكليفي من العقل بما هو قوة عاقلة شأنها التعقل غير معقولة ، ومن الشارع مفروض العدم ؛ لأنّ الموضوع هو الفعل في حدّ ذاته مع قطع النظر عن ورود الشرع فيه ، ففرض استقلال العقل بإباحته شرعاً أو بحرمته شرعاً خلف بيّن . . . ومنه تبيّن أنّ دعوى اختلافهما محمولًا تارةً من حيث إنّ الإباحة في المسألة الأولى واقعية وفي الثانية ظاهرية . . . مدفوعة ؛ بأنّ فرض سنخ مقولة الحكم في المسألة الأولى خُلُفْ تارة ، وخلاف الواقع أخرى » « 4 » . ولابدّ من الإشارة هنا إلى ما انفرد به المحقّق النائيني ، من الفرق بين المسألتين على أساس أنّ موضوع أصالة البراءة هو مطلق الأفعال الصادرة من المكلّف سواء أكان متعلقها الموضوعات الخارجية كشرب الخمر ، أو الأفعال الصرفة كالصلاة والصيام ، بخلاف أصالة الإباحة التي أكدّ على أنّ موضوعها الأشياء الخارجية في غير ما يتوقف عليه العيش والمعاش « 5 » . وأورد عليه بأنّ ما ذكره الأصوليون دليلًا لأصالة الإباحة لم يفرق فيه بين الأفعال والموضوعات الخارجية « 6 » ، مع أنّه لا دليل على الاختصاص . 2 - الاختلاف الملاكي يختلف الملاك في المسألة الأولى عن الملاك في الثانية ، فإنّ ملاك الأولى هو عدم خروج العبد عن زي العبودية في صورة الارتكاب بناءً على الإباحة ، أو خروجه عنها بناءً على الحظر . والملاك في الثانية هو عدم تنجّز التكليف لو فرض صدوره بناءً على البراءة ؛ لعدم وصوله إلى المكلّف ، أو تنجّزه بناءً على الاشتغال ؛ لوجوب دفع الضرر المحتمل « 7 » . 3 - الاختلاف الأثري وهو ترتب العقاب على ارتكاب الفعل بناءً على الحظر في المسألة الأولى ، سواء أكان محظوراً واقعاً أو لم يكن

--> ( 1 ) . فوائد الأصول 3 : 329 ، زبدة الأصول ( الروحاني ) 3 : 191 . ( 2 ) . الفصول الغروية : 347 ، وفهم ذلك منه الشيخ الأنصاري في تقريرات درسه ، راجع : مطارح الأنظار 2 : 413 . ( 3 ) . مطارح الأنظار 2 : 401 - 402 . ( 4 ) . نهاية الدراية 4 : 128 - 129 . ( 5 ) . أجود التقريرات 3 : 288 - 289 . ( 6 ) . زبدة الأصول ( الروحاني ) 3 : 190 . ( 7 ) . نهاية الدراية 4 : 128 .