مركز التحقيقات والدراسات العلمية في المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية

54

موسوعه أصول الفقه المقارن

ولم يوافقهم في ذلك أبو إسحاق الإسفراييني « 1 » وكذا مجد الدين ، الذي أكد على أنّ سبب اعتبارها من الأحكام التكليفية هو مخاطبة المكلّفين بها دون غيرهم من الأطفال والمجانين « 2 » . ولعله لأجل التخلص من شبهة عدم تعقّل اتصاف الإباحة بالحكم التكليفي ذهب البلخي إلى اعتبار الإباحة مأموراً بها ، وذلك حين قال : « المباح مأمور به لكنّه دون الندب ، كما أنَّ الندب مأمور به لكنّه دون الواجب » « 3 » . وأورد عليه الغزالي بأنَّ هذا محال ؛ إذ الأمر اقتضاء وطلب ، والمباح غير مطلوب بل مأذون فيه ومطلق له ، فإن استعمل لفظ الأمر في الإذن فهو تجوّز « 4 » . وقد يكون تعريف بعض علماء الإمامية للحكم التكليفي بأ نّه « الاعتبار الصادر من المولى من حيث الاقتضاء والتخيير » « 5 » لأجل التخلص من إشكال عدم تعقل المشقة والتكلفة في الإباحة . وهناك معاني أخرى للإباحة ، كالإباحة بمعنى الصحة والمشروعية ، فيقال : التيمّم مباح مع خوف الضرر مثلًا ، وبمعنى الإذن في التصرف في مقابل الغصب وعدم الإذن فيه . ولابدَّ من الإشارة إلى أنّ الإباحة بالمعنى الأخص ليس لها مراتب تشتد بسببها وتضعف ، فلا تكون ضعيفة - مثلًا - إذا كان سببها واحداً ، كالإكراه على أكل لحم الخنزير - مثلًا - الموجب لحليته ، ولا تكون شديدة إذا تعددت أسبابها ، كما لو أُكره المكلّف واضطر في آنٍ واحد إلى أكل اللحم المذكور ، وذلك لبساطة ماهيتها ، وعدم تعدد مراتبها « 6 » ، بخلاف ماهية سائر الأحكام التكليفية الأخرى التي يمكن تصوّر مراتب فيها ، فيقال - مثلًا - : يُكره العمل الكذائي كراهةً شديدة ، أويستحب استحباباً مؤكداً . وكذا الحال بالنسبة إلى الحرمة والوجوب ، ممّا يعني أنّ لماهية هذه الأحكام مراتب مشككة تختلف باختلافها شدةً وضعفاً . أمّا المباح فقد عرّفوه بتعاريف متعددة ، كتعريفهم له بأ نّه الذي لايمدح فاعله ولايذم تاركه « 7 » ، أو الذي لا يستحق على فعله ثواب ولا على تركه عقاب « 8 » ، أو الذي لا ضرر ولا تبعة في فعله مع كون تركه ممنوعاً كإباحة دم المرتد « 9 » ، الذي يرجع في حقيقته إلى المباح بالمعنى الأعم ، بخلاف المباح بمعنييه الأولين اللذين يرجعان إلى المباح بمعناه الأخص . ثانياً : الألفاظ ذات الصلة

--> ( 1 ) . نسبه إليه الآمدي في الإحكام 1 - 2 : 109 ، والأرموي في الحاصل‌من المحصول 2 : 265 - 266 ، والعلّامة الحلّي في نهاية الوصول 1 : 542 ، والزركشي في البحر المحيط 1 : 278 . ( 2 ) . المسوّدة : 32 . ( 3 ) . نقل عنه الغزالي في المستصفى 1 : 88 ، والرهنوي في تحفة المسؤول 1 : 85 . ( 4 ) . المستصفى 1 : 88 . ( 5 ) . مصباح الأصول 3 : 78 ، الأصول العامّة للفقه المقارن : 54 . ( 6 ) . انظر : محاضرات في أصول الفقه 5 : 112 - 113 ، مصباح الأصول 2 : 308 - 309 . ( 7 ) . انظر : الذريعة 2 : 805 ، الإحكام ( ابن حزم ) 1 - 4 : 482 ، معارج‌الأصول : 48 ، المسوّدة : 516 ، نهاية السُّول 1 : 80 ، التحبير شرح التحرير 3 : 1020 . ( 8 ) . انظر : الفصول في الأصول 2 : 91 و 3 : 347 ، اللمع : 34 ، غايةالمأمول : 87 ، الوجيز في أصول التشريع الإسلامي : 44 . ( 9 ) . إرشاد الفحول 1 : 52 .