مركز التحقيقات والدراسات العلمية في المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية
330
موسوعه أصول الفقه المقارن
يقول علاء الدين البخاري : وقال أكثر المتأخرين من أصحابنا مثل : القاضي الإمام أبي زيد ، والشيخين ، وصدر الإسلام أبي اليسر ، ومتابعيهم ؛ إنَّه لا يصلح حجّة لإثبات حكم مبتدأ ولا للإلزام على الخصم بوجه ، ولكنَّه يصلح لإيلاء العذر وللدفع ، فيجب عليه العمل به في حقِّ نفسه ، ولايصحّ له الاحتجاج به على غيره « 1 » . وبنوا على هذا مسائل منها : ما لو شهد شاهدان أنَّ الملك كان للأب المدّعي ، والأب ميّت ، فإنَّها لا تقبل عن أبي حنيفة ؛ لأنَّ الملك ثبت لا بهذه الشهادة ، والبقاء بعد الثبوت إنَّما يكون باستصحاب الحال ، فيثبت دفعاً عن المشهود عليه بحق الشهادة ، فإنَّه كان أحد المدّعيين ، فأمَّا لإيجاب حكم مبتدأ فلا ، وملك الوارث لم يكن ، وعلى هذا قالوا : المفقود لا يرث أباه ، وإن كان الملك ذلك الملك بعينه ؛ لأنَّ المالك غير الأوَّل « 2 » . استدلَّ على هذا الرأي بدليل عقلي قائم على أساس أنَّ علة الوجود لا تكفي للحكم بالبقاء ، فالدليل يوجب الإثبات فقط ، والثبوت غير الإثبات وبحاجة إلى دليل آخر ، وهو من قبيل الإيجاد فإنَّه يوجب الوجود فقط ، والإبقاء بحاجة إلى علّة أخرى « 3 » . رُدَّ هذا بالأمور التالية : أولًا : أنَّ بقاء الموجود في الحقيقة ثابت بإبقاء اللَّه تعالى إيَّاه إلى زمان وجود المزيل ، وعليه لا داعي لإبقاء الموجود إلى سبب آخر مضافاً إلى سبب الإيجاد « 4 » . ثانياً : هذا الدليل على التفصيل إنَّما يتمُّ إذا لم تكن لنا أدلَّة على الاستصحاب ، تعطي صفة البقاء والاستمرار للمستصحب تعبُّداً أمثال : ( لا تنقض اليقين بالشكّ ) ، ( فليطرح الشكّ ، وليبنِ على ما استيقن ) ، أمَّا مع قيام هذه الأدلَّة فإنَّ بقاء الحكم تعبُّداً إنَّما يكون مستنداً إليها لا إلى دليل الوجود ، ليقال بأنَّ الوجود لا يصلح أن يكون دليلًا للبقاء « 5 » . ثالثاً : بعد فرض إعطاء الشارع صفة البقاء للمتيقّن ، فلا وجه للتفريق بين حالة الإثبات والدفع « 6 » . رابعاً : قول الزركشي : « ونحن نسلِّم لهم أنَّ دلالة الثبوت غير دلالة البقاء ؛ لأنَّ أحدهما نصٌّ والآخر ظاهر ، ولكن لا نقول : البقاء لعدم المزيل ، بل لبقاء الدليل الظاهر عليه ، وهذا لا يجوز أن يكون فيه خلاف » « 7 » . القول الخامس عشر : أنّه حجّة لإبقاء ما كان ، ولا يصلح حجّة لإثبات ما لم يكن بناءً على هذا القول يعدُّ الاستصحاب حجّة لإبقاء ما كان ، ولا يصلح حجّة لإثبات أمر لم يكن ، وذلك كحياة المفقود ، فإنَّه لمَّا كان الظاهر بقاءها صلح حجّة لإبقاء ما كان فلايورَّث ماله ، ولا يصلح حجّة لإثبات أمر لم يكن ، فلا يرث عن أقاربه . وقد أورد الزركشي هذا القول والقول الذي سبقه تحت عنوان واحد ، ولا يبعد أن يكونا متحدي المضمون « 8 » . القول السادس عشر : أنّه حجّة للذات لا للغير المنقول في كتب أكثر الحنفية أنَّه لا يصلح حجّة على
--> ( 1 ) . كشف الأسرار 3 : 662 ، وانظر : تقويم الأدلة : 400 ، أصول السرخسي 2 : 224 - 225 ، أصول البزدوي 3 : 663 . ( 2 ) . البحر المحيط 6 : 19 . ( 3 ) . كشف الأسرار ( البخاري ) 3 : 666 . ( 4 ) . المصدر السابق : 667 . ( 5 ) . الاستصحاب ( كوثراني ) : 139 . ( 6 ) . المصدر السابق . ( 7 ) . البحر المحيط 6 : 19 . ( 8 ) . البحر المحيط 6 : 18 ، إرشاد الفحول 2 : 256 .