مركز التحقيقات والدراسات العلمية في المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية
324
موسوعه أصول الفقه المقارن
أنَّه ليس حجّة « 1 » . وقال الأستاذ أبو منصور : وهو قول جمهور أهل الحق من الطوائف ، وقال الماوردي والروياني في كتاب القضاء : إنَّه قول الشافعي وجمهور العلماء « 2 » . وحجّة هؤلاء : أنَّ الإجماع إنَّما كان على الصفة التي كانت قبل محلّ النزاع ، كالإجماع على صحة الصلاة قبل رؤية الماء في الصلاة ، فأمَّا بعد الرؤية فلا إجماع ، فليس هناك ما يستصحب . . . وقال آخرون : الحكم ثبت بالإجماع وقد زال الإجماع ، فالمفروض زوال الحكم كذلك ، وإثباته يكون بلا دليل « 3 » . رُدَّ هذا : بأنَّ المتبدِّل هنا هو حال المحلّ المجمع على حُكمه أولًا كتبدُّل زمانه ومكانه وشخصه ، وتبدُّل هذه الأمور وتغيّرها لا يمنع استصحاب ما ثبت له قبل التبدُّل ، فكذلك تبدُّل وصفه وحاله لا يمنع الاستصحاب حتَّى يقوم دليل على أنَّ الشارع جعل ذلك الوصف الحادث ناقلًا للحُكم مثبتاً لضدّه ، كجعل تخليل الخمرة ناقلًا للحُكم بتحريمها « 4 » . الغزالي مثَّل لهذا الرأي بالمتيمِّم إذا رأى الماء في أثناء الصلاة ، فإنّه يمضي فيها ؛ لأنَّ الإجماع منعقد على صحة صلاته ودوامها . . . فنحن نستصحب دوام الصلاة إلى أن يدلَّ دليل على كون رؤية الماء قاطعاً للصلاة . واعتبر هذا فاسداً مستدلّاً على رأيه بقوله : لأنَّ هذا المستصحب لا يخلو إمَّا أن يقرّ بأنَّه لم يقم دليلًا في المسألة لكن قال : أنا نافٍ ولا دليل على النافي ، وإمَّا أن يظنَّ أنَّه أقام دليلًا ، فإن أقرَّ بأنَّه لم يدلّ فسنبيِّن وجوب الدليل على النافي ، وإن ظنَّ أنَّه أقام دليلًا فقد أخطأ ، فإنَّا نقول : إنَّما يستدام الحُكم الذي دلَّ الدليل على دوامه ، فالدليل على دوام الصلاة ههنا لفظ الشارع أو إجماع ، فإن كان لفظاً فلابدَّ من بيان ذلك اللفظ ، فلعلّه يدلّ على دوامها عند العدم لا عند الوجود ، فإن دلَّ بعمومه على دوامها عند العدم والوجود جميعاً كان ذلك تمسكاً بالعموم عند القائلين به ، فيجب إظهار دليل التخصيص . وإن كان بإجماع فالإجماع منعقد على دوام الصلاة عند العدم ، أمَّا حال الوجود فهو مختلف فيه ، ولا إجماع مع الخلاف ، ولو كان الإجماع شاملًا حال الوجود لكان المخالف خارقاً للإجماع . . . « 5 » . رُدَّ هذا بالأمور التالية : أولًا : ما ذكر من وجه في عدم جريان الاستصحاب في محلّ الإجماع جارٍ في بعض الصور في غير الإجماع ، فإنَّه إذا ورد النصّ على وجه يكون ساكتاً بالنسبة إلى ما بعد الحالة الأولى - كما إذا ورد أنَّ الماء ينجس بالتغيّر - مع فرض عدم إشعار فيه بحكم ما بعد زوال التغيُّر ، فإنَّ وجود هذا الدليل - بوصف كونه دليلًا - مقطوع العدم في الحالة الثانية ، كما في الإجماع « 6 » . ثانياً : أدلَّة حجّية الاستصحاب مطلقة ولم تفرّق بين ما ثبت بالإجماع وغيره « 7 » . ثالثاً : بعض الأمثلة التي ذكرها مثل الغزالي في المورد
--> ( 1 ) . البحر المحيط 6 : 22 ، إرشاد الفحول 2 : 258 وانظر : التبصرة : 526 ، المستصفى 1 : 239 . ( 2 ) . نقله قولهما الزركشي في البحر المحيط 6 : 22 ، والشوكاني في إرشاد الفحول 2 : 258 . ( 3 ) . أعلام الموقّعين 1 : 341 - 342 . ( 4 ) . أعلام الموقّعين 1 : 343 ، وانظر : أصول الفقه الإسلامي ( الزحيلي ) 2 : 866 . ( 5 ) . المستصفى 1 : 239 - 241 ، وانظر : كتاب التلخيص في أصول الفقه 3 : 132 - 134 ، روضة الناظر : 80 - 81 . ( 6 ) . فرائد الأصول 3 : 155 - 156 . ( 7 ) . المصدر السابق : 157 .