مركز التحقيقات والدراسات العلمية في المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية

320

موسوعه أصول الفقه المقارن

القول الثالث : التفصيل بين العدمي والوجودي وهذا القول يقضي باعتبار الاستصحاب في الأمر العدمي وعدم اعتباره في الوجودي ، استظهره التفتازاني من عبارة العضدي « 1 » ، إذ قال : « إنَّ خلاف الحنفية المنكرين للاستصحاب إنَّما هو في الإثبات دون النفي الأصلي » « 2 » . وقد استدلَّ على هذا الرأي : بأنَّ النفي ليس كالإثبات ، فالأخير بحاجة إلى دليل يثبته ، بينما النفي والعدم لا حاجة إلى ما يثبته ؛ لأنّه لو كان لقامت دلالة عليه ، ولم تقم ، فلابدَّ وأنَّه غير ثابت ، ولهذا ننفي وجوب صلاة سادسة وصيام زائد على شهر رمضان . وباعتبار أنَّ العدميات غير متناهية والوجوديات متناهية ، فإنَّ حاجتنا إلى الدليل لإثبات العدميات تقتضي إثبات اللامتناهي ، وليس كذلك الحال في الوجوديات « 3 » . رُدَّ هذا الرأي بأمور : أولًا : أنَّ القول باعتبار الاستصحاب في العدميات يغنينا عن الكلام باعتباره في الوجوديات ؛ باعتبار أنَّ الاستصحاب في الوجودي يتزامن دائماً مع استصحاب عدمي ، فإنَّ إثبات شيء يستلزم نفي ضدّه ، فإثبات الطهارة يستلزم عدم النجاسة وإثبات الحياة يستلزم نفي الموت وعدمه ، والظن بالأعدام المزبورة لا ينفك عن الظنّ ببقاء الموجودات المضادة ، فإذا قيل باعتبار أحدها لا بدَّ من القول باعتبار مضادها كذلك « 4 » . ثانياً : الأدلَّة الواردة على الاستصحاب وبخاصة الأخبار مطلقة أو عامة ، ولم تقيّد بالعدميات أو الوجوديّات ، فقد ورد فيها : « لا تنقض اليقين بالشكّ » وهذا واضح في الإطلاق « 5 » . ثالثاً : لا تفاوت في المستصحب أو الأثر المترتب عليه بين ما إذا كان أمراً وجودياً أو عدمياً ، فالتكاليف عموماً بيد الشارع ، فإذا كان نفي التكليف بيد الشارع ، فلابدَّ من كون إثباته كذلك ، ونسبتهما إلى المشرِّع واحدة « 6 » . القول الرابع : التفصيل بين الأحكام الشرعية والأمور الخارجية ، أو بين الشبهة الحكمية والشبهة الموضوعية هذا القول يذهب إلى حجّية الاستصحاب في الأحكام الشرعية وعدم حجيّته في الأمور الخارجية ، ونسب إلى جماعة « 7 » . واستظهره كذلك المحقّق القمي من السبزواري من : أنّ الأخبار لا يظهر شمولها للأمور الخارجية - مثل رطوبة الثوب ونحوها - إذ يبعد أن يكون مرادهم بيان الحكم في مثل هذه الأمور الذي ليس حكماً شرعياً ، وإن كان يمكن أن يصير منشأً لحكم شرعي « 8 » . رُدَّ هذا بإطلاق الأدلَّة وشمولها للأحكام والأمور الخارجية ، فإنَّ عدم جواز نقض اليقين بالشكّ كما يرجع إلى الطهارة عن الحدث والخبث ، يرجع كذلك إلى عدم النجاسة وعدم وصول النجس وعدم حصول ما يوجب الحدث كالنوم . هذا مضافاً إلى أنَّ بعض الروايات وردت في أمور خارجية مثل الثوب « 9 » .

--> ( 1 ) . شرح مختصر المنتهى 3 : 563 . ( 2 ) . حاشية التفتازاني 3 : 565 . ( 3 ) . الذريعة 2 : 834 - 836 ، وانظر : المستصفى 1 : 237 ، أعلام الموقّعين 1 : 339 . ( 4 ) . فرائد الأصول 3 : 111 . ( 5 ) . الاستصحاب ( كوثراني ) : 143 . ( 6 ) . مباني الاستنباط 4 : 183 ، الاستصحاب ( الكوثراني ) : 143 . ( 7 ) . انظر : شرح الوافية : 339 ، فرائد الأصول 3 : 35 ، 111 . ( 8 ) . القوانين المحكمة : 285 ، وانظر : ذخيرة المعاد : 115 - 116 . ( 9 ) . انظر : القوانين المحكمة : 286 ، فرائد الأصول 3 : 111 - 115 ، الاستصحاب ( كوثراني ) : 146 .