مركز التحقيقات والدراسات العلمية في المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية
290
موسوعه أصول الفقه المقارن
الاستصحاب لابدَّ من إمضاء الشارع والصادع بالشريعة لها ؛ وذلك بدليل قوله صلى الله عليه وآله : « ما من شيء يقرّبكم من الجنَّة ويباعدكم من النار إلَّاوقد أمرتكم به » « 1 » ، ومع عدم العلم بالإمضاء لا تكون هناك جدوى للاستصحاب « 2 » . أمَّا القائلون بجريانه فقد استدلّوا على حجّيته بوجود المقتضي من اليقين بالحكم سابقاً والشكّ به لاحقاً وعدم وجود المانع ، فلا فرق في المستصحَب بين أن يكون حكماً ثابتاً في هذه الشريعة أو حكماً من الشرائع السابقة ، مع أنَّ أدلَّة الاستصحاب عامة ، والقرائن المزبورة مرفوضة . أمَّا القرينة الأولى فتردُّ بأمور : أولًا : أنَّ من أدرك الشريعتين يكون متيقناً بالحكم فيستصحبه ، وبقاعدة اشتراك التكليف نثبت الحكم لمن لم يدرك الشريعتين « 3 » . ثانياً : أنَّ الأحكام الشرعية موضوعة على نحو القضية الحقيقية وليس على نحو القضية الخارجية الخاصة بالأفراد الموجودين عند نزول التشريع ، والموضوع فيها يؤخذ عنواناً كلّياً مرآتياً لما ينطبق عليه من الأفراد عند وجودها « 4 » . والقرينة الثانية مردودة : بأنَّ العلم بالنسخ منحلّ إلى علم إجمالي وتفصيلي ، فإنَّا على شكٍّ بدوي في بعض الموارد رغم علمنا تفصيلًا بنسخ الموارد الأخرى ، فيمكننا إجراء الاستصحاب في الموارد الأخيرة ( مشكوكة النسخ ) ، والشريعة السابقة وإن كانت منسوخة يقيناً إلَّاأنَّ ذلك لا يوجب ارتفاع أحكامها بتمامها ، والنسخ يعني عدم بقائها بتمامها لا ارتفاعها بتمامها « 5 » . والقرينة الثالثة تُردُّ : بأنَّ حكم كلّ شريعة حكم إلهي ناشئ عن مصلحة تامة ، فبقاؤه في الشريعة اللاحقة ملازم لإمضائه في تلك الشريعة ، وبقاؤه يكشف عن تمامية ملاكه ، وعدم إمضائه يساوق عدم تمامية ملاكه في الشريعة اللاحقة ، وهو خلف ، فالمفروض القول ببقاء ملاكه ، وإلَّا يلزم جهل الصادع بها ، وهو مستحيل « 6 » . شروط جريان استصحاب شرائع من قبلنا وعلى فرض جريان الاستصحاب فهناك شروط : منها : أن يرد التشريع السابق عن طريق معتبر مثل القرآن والسنّة الصحيحة . ومنها : أن لا تختلف في التحريم والتحليل شريعتان . ومنها : أن يكون التحريم والتحليل ثابتاً قبل تحريفهم وتبديلهم ، فإن استحلّوا وحرّموا بعد النسخ والتحريف فلا عبرة به البتة « 7 » . ( شرع من قبلنا ) ثمرة البحث على فرض جريان استصحاب الشرائع السابقة تذكر النقاط التالية كثمرات له : الأولى : مسألة القرعة الواردة في قوله تعالى : « وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ
--> ( 1 ) . الكافي 2 : 74 كتاب الإيمان والكفر ، باب الطاعة والتقوى ح 2 ، وسائل الشيعة 17 : 45 كتاب التجارة ، باب ( 12 ) من أبواب مقدمات التجارة ح 2 . ( 2 ) . فوائد الأصول 4 : 480 . ( 3 ) . فرائد الأصول 3 : 225 . ( 4 ) . فوائد الأصول 4 : 479 . ( 5 ) . كفاية الأصول : 413 . ( 6 ) . نهاية الأفكار 4 ق 1 : 177 . ( 7 ) . انظر : البحر المحيط 6 : 46 - 47 .