مركز التحقيقات والدراسات العلمية في المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية
267
موسوعه أصول الفقه المقارن
بين هذا القول والقول الثاني لفظي ؛ وذلك لبعض التعابير التي وقعت من قبل بعض من أصحاب هذا القول على كلا المستويين - الإمامية وأهل السنّة - فأمّا على مستوى الإمامية ؛ فقد قالوا : إنّ هذه الكراهة - الثابتة لترك المستحب - ليست بمعنى المبغوضيّة الذاتيّة التي تثبت بدليل خاص ، بل بمعنى المرجوحيّة والتي تطلق على ترك الأَولى ، وأمّا على مستوى أهل السنّة ؛ فلأنّ القائلين بكراهية تركه قد سمّوا الكراهة الثابتة بدليل خاص بالكراهة الشديدة ، ممّا قد يشعر بأنّ نظرهم من الكراهة ترك الأَولى . المسألة الثانية : ترك المستحب بالكلّ وقد اختلفوا في جواز ذلك على أقوال أربعة : الأول : أنّه غير جائز مطلقاً ، وهذا قول الشاطبي ، حيث ذهب إلى أنّ ترك المندوب بالكلّ غير جائز وإن كان غير لازم بالجزء . وقد نصّ على ذلك بقوله : « إذا كان الفعل مندوباً بالجزء كان واجباً بالكلّ ، كالأذان في المساجد والجوامع وغيرها ، وصلاة الجماعة ، وصلاة العيدين ، وصدقة التطوّع ، والنكاح ، والوتر ، وسنّة الفجر ، والعمرة ، وسائر النوافل الرواتب ، فإنّها مندوب إليها بالجزء ، ولو فرض تركها جملة لجرح التارك لها ، ألا ترى أنّ في الأذان إظهاراً لشعائر الإسلام ؟ ولذلك يستحق أهل المصر القتال عليه إذا تركوه ، وكذلك صلاة الجماعة ، من داوم على تركها يجرح ولا تقبل شهادته ؛ لأنّ في تركها مضادة لإظهار شعائر الدين ، وقد توعَّد الرسول من داوم على ترك الجماعة فهمّ أن يحرق عليهم بيوتهم ، كما كان لا يغير على قوم حتى يصبح ، فإن سمع أذاناً أمسك ، وإلّا أغار ، والنكاح لا يخفى ما فيه ممّا هو مقصود للشارع ، من تكثير النسل وإبقاء النوع الإنساني وما أشبه ذلك ، فالترك له جملة مؤثر في أوضاع الدّين إذا كان دائماً ، أمّا إذا كان في بعض الأوقات فلا تأثير له ، فلا محظور في الترك » « 1 » . الثاني : أنّه جائز مطلقاً ، وهذا قول الشيخ محمد حسن النجفي من الإمامية ، حيث قال : « الإنصاف ضرورة عدم المعصية في ترك جميع المندوبات ، أو فعل جميع المكروهات من حيث الإذن فيهما ، فضلًا عن ترك صنف منها ولو للتكاسل والتثاقل منه » « 2 » . وقد مال إليه بعض آخر « 3 » . الثالث : أنّه جائز ما لم يبلغ حدّاً يؤذن بالتهاون بالسنّن ، وهذا قول جماعة من الإمامية ، كما يبدو من المحقق السبزواري حيث قال : « ذكر الأصحاب أنّ ترك المندوبات لا يقدح في العدالة ما لم يبلغ حدّاً يؤذن بالتهاون بالسنّن ، لدلالته على قلة المبالاة بأمر الدّين » « 4 » ، وقال أيضاً : « ولا يعتبر في العدالة الإتيان بالمندوبات ، إلّا أن يبلغ تركها حدّاً يؤذن بقلة المبالاة بالدّين والاهتمام بكمالات الشرع ، كترك المندوبات أجمع » « 5 » . الرابع : أنّه غير جائز حتى لو تمثل هذا الترك في الاعتياد على ترك صنف من المندوبات ( لا كلّها ) ، وهذا رأي الشهيد الثاني من الإمامية ، حيث قال : « ترك المندوبات لا يقدح في التقوى ، ولا يؤثر في العدالة ، إلّاأن يتركها أجمع فيقدح فيها ، لدلالته على قلة المبالاة بالدّين والاهتمام بكمالات الشرع ، ولو اعتاد ترك صنف منها ، كالجماعة والنوافل ونحو ذلك ، فكترك الجميع ، لاشتراكهما في العلّة المقتضية لذلك » « 6 » . ولم ينقل خلافاً في ما ادّعاه ، غير أنّه قد علّق السبزواري عليه : بأنّ ذلك الذي ادّعاه لا ريب فيه في خصوص الجماعة ، لدلالة الأخبار المتعدّدة عليه « 7 » .
--> ( 1 ) . الموافقات 1 : 132 - 133 . ( 2 ) . جواهر الكلام 41 : 30 . ( 3 ) . كتاب الشهادات ( الكلبايكاني ) : 70 . ( 4 ) . كفاية الأحكام 2 : 748 . ( 5 ) . ذخيرة المعاد : 305 . ( 6 ) . مسالك الأفهام 14 : 171 - 172 . ( 7 ) . كفاية الأحكام 2 : 748 .