مركز التحقيقات والدراسات العلمية في المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية

260

موسوعه أصول الفقه المقارن

ويُنْقَلُ اتّفاق الأصوليين على أنَّ الاستثناء من الإثبات نفي ، وأمَّا الاستثناء من النفي فذهب الجمهور إلى أنَّه إثبات « 1 » ، وذهب الحنفية إلى أنَّ الاستثناء لا يكون إثباتاً « 2 » . وجعلوا بين الحكم بالإثبات والحكم بالنفي واسطة ، وهي عدم الحكم ، قالوا : فمقتضى الاستثناء بقاء المستثنى غير محكوم عليه ، لا بالنفي ولا بالإثبات . « 3 » إلَّا أنَّ الزركشي ينفي الوفاق ، ويقول : الخلاف عندهم موجود ؛ لأنَّ المأخذ الذي ذكروه موجود فيهما ، وهو أنّ بين الحكم بالنفي وبين الحكم بالإثبات واسطة ، وهي عدم الحكم ، وتركه على ما كان عليه قبل الاستثناء ، بلا فرق بين الاستثناء من النفي والإثبات ؛ إذ الواسطة حاصلة « 4 » . واستدلَّ الجمهور على رأيهم بأنَّ القائل إذا قال : ( لا إله إلَّا اللَّه ) كان موحّداً مثبتاً للألوهية للَّه‌سبحانه وتعالى ، ونافياً لها عمَّا سواه ، ولو كان نافياً للألوهية عمَّا سوى الربّ تعالى غير مثبت لها بالنسبة إلى الربّ تعالى ، لما كان ذلك توحيداً للَّه‌تعالى ؛ لعدم إشعار لفظه بإثبات الإلوهية للَّه تعالى ؛ وذلك خلاف الإجماع « 5 » . وأيضاً بأ نّه إذا قال القائل : ( لا عالم في البلد إلَّازيد ) كان ذلك من أدلّ الألفاظ على علم زيد وفضيلته ، وكان ذلك متبادراً إلى فهم كلّ سامع لغوي ، ولو كان نافياً للعلم عمَّا سوى زيد ، غير مثبت للعلم لزيد ، لما كان كذلك . وعلى هذا النحو في كلّ ما هو من هذا القبيل « 6 » . واستدلّ كذلك بالانسباق عند الإطلاق ، فإنَّ المنسبق للذهن ما ذهب إليه الجمهور « 7 » . واستدلَّ الحنفية على رأيهم بأنَّ الاستثناء مأخوذ من قولك : ثنيت الشيء : إذا صرفته عن وجهه ، فإذا قلت : ( لا عالم إلَّازيد ) فهاهنا أمران : أحدهما : هذا الحكم . والثاني : نفس العلم . فقولك : ( إلَّا زيد ) يحتمل عوده إلى الأوَّل ، فلا يلزم تحقّق الثبوت ، ويبقى المستثنى مسكوتاً عنه ، ويحتمل عوده إلى الثاني ، فيلزم تحقّق الثبوت ؛ لأنَّ ارتفاع العدم يحصّل الوجود لا محالة « 8 » . واحتجَّ أبو حنيفة بقوله صلى الله عليه وآله : ( لا نكاح إلَّابوليٍّ ) « 9 » ، وقوله صلى الله عليه وآله : ( لا صلاة إلَّابطهور ) « 10 » . ورُدَّ بأ نّه لم يلزم منه تحقّق النكاح عند حضور الولي ، ولا تحقّق الصلاة عند حضور الوضوء ، بل يدلُّ على عدم صحّتهما عند عدم هذين الشرطين « 11 » . ورُدَّ كذلك بأنَّه إن كان النزاع فيما يفيد ذلك باعتبار الوضع الشرعي ، فلا بدَّ من اعتبار تمام ما اشترط الشرع في النكاح والصلاة . وإن كان النزاع فيما يفيد ذلك باعتبار الوضع اللغوي ،

--> ( 1 ) . انظر : الحاصل من المحصول 2 : 341 ، الاستغناء في أحكام‌الاستثناء : 549 ، شرح تنقيح الفصول : 247 ، العقد المنظوم : 618 - 619 ، نهاية الوصول ( العلّامة الحلّي ) 2 : 256 ، شرح الجلال المحلّي 2 : 50 ، التمهيد ( الأسنوي ) : 392 ، نهاية السّول 2 : 423 ، زبدة الأصول ( البهائي ) : 140 ، شرح البدخشي 2 : 137 . ( 2 ) . انظر : أصول السرخسي 2 : 36 ، تيسير التحرير 1 : 294 ، فواتح الرحموت 1 : 326 - 327 . ( 3 ) . إرشاد الفحول 1 : 492 . ( 4 ) . البحر المحيط 3 : 301 . ( 5 ) . الإحكام ( الآمدي ) 1 - 2 : 512 ، وانظر : مبادئ الوصول : 134 . ( 6 ) . الإحكام ( الآمدي ) 1 - 2 : 512 . ( 7 ) . انظر : كفاية الأصول : 209 . ( 8 ) . انظر : إرشاد الفحول 1 : 493 . ( 9 ) . سنن الدارمي 2 : 137 كتاب النكاح ، باب النهي عن النكاح بغير ولي ، حديث أبي موسى ، وسنّن ابن ماجة 1 : 650 كتاب النكاح ، باب ( 15 ) لا نكاح إلّابولي ح 1880 و 1881 . ( 10 ) . سنن أبي داود 1 : 16 كتاب الطهارة ، باب فرض الضوء ح 59 وفيه « لا صلاة بغير طهور » . ( 11 ) . المحصول ( الرزاي ) 1 : 412 ، الكاشف عن المحصول 4 : 450 - 453 .