مركز التحقيقات والدراسات العلمية في المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية

246

موسوعه أصول الفقه المقارن

قال الروحاني : « التعليل الارتكازي ، فهو ما كان وارداً على حسب مرتكزات العرف ، بحيث يرى مناسبة بين التعليل والمعلّل ، وقد عرفت أنّ من موارد التعليل المذكور في بعض أخبار الاستصحاب من ( أنّ اليقين لا ينقض بالشك ) فإنّ العرف - بحسب ارتكازاته - يرى مناسبة بين التعليل والحكم المعلّل به ، بلحاظ أنّ اليقين أمر مبرم ، فلا ينقض بما ليس كذلك كالشك » « 1 » . ثمّ إنّ ما تتميّز به التعليلات الارتكازية عن التعبّدية هو كونها آبية عن التخصيص ، فلو جاءت في مورد معيّن فإنّها لا تخصص به ، بل تشمل جميع الموارد المماثلة المشتملة على تلك العلّة ، ولذا قال السيد محسن الحكيم : « القضية الارتكازية لا تختص بباب دون باب ، بل تعمّ جميع الأبواب . . . إذ لو بنى على تخصيصه بباب الوضوء كان التعليل تعبّدياً لا ارتكازياً . . . » « 2 » . ومن هنا استظهر بعض العلماء : أنّ عدول الشارع عن التخصيص إلى الحكومة في بعض الموارد التي يكون الحكم فيها بعلّةٍ ارتكازية ، إنّما هو تجنباً للاصطدام بالمشاعر والأحاسيس والمرتكزات الذهنية المحترمة لدى الجمهور ، ففي مورد الظن قال تعالى : « إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً » وعندما جاء إلى خبر الثقة لم يقل إنّه مخصَّص من هذهِ القاعدة ، بل عدَّه علماً - بناءً على مسلك الطريقية - فأخرجه من تحت الظن اعتباراً وتعبّداً بالحكومة ، فإضفاء صفة العلمية عليه يجعل العمل على وفقه مستساغاً في نظر العرف ، بخلاف ما لو أمر بالعمل على طبقه مع بقائه على صفة الظنية « 3 » . ثامناً : حجّية الارتكاز لم يتعرض الأصوليون من غير الإمامية لحجّية الارتكاز ، والذي جاء في كلمات الإمامية هو : أنّ الارتكاز الذي يكون حجّة ما كان ممضى من قبل الشارع ، وهذا يستدعي كون الارتكاز متصلًا بزمانهم عليهم السلام . لذا ذكر روح اللَّه الخميني أنّه لا عبرة بالارتكاز غير المتصل بزمانهم « 4 » ، وقال السيد مصطفى الخميني : « الارتكاز المتأخر غير الممضى ليس حجّة » « 5 » . والإمضاء قد يستفاد من سكوت الشارع وعدم ردعه عن الارتكاز أو العمل الجاري على طبقه ، كما في السيرة والإجماع ، وقد يستفاد من خلال النصوص الواردة فيه كما ذكر بعضهم في حجّية الأمارة والأصل ، فإنّ ما ورد فيهما ليس تأسيساً لهما ، بل إمضاء للارتكاز العقلائي « 6 » . يظهر أنّ السيد الشهيد له تفصيلات في المقام يمكن استفادتها من كلماته في مبحث السيرة ، فإنّه قد تقدم منه : أنّ السيرة في بعض معانيها قد تطلق على الارتكازات العقلائية « 7 » . كما قد تكرر منه أنّ الإمضاء ليس للفعل الخارجي بل للنكتة العقلائية « 8 » ، وأيضاً سبق وأن بيّنا أنّ السيرة مطلقاً إنّما تنشأ من الارتكاز ، فالحجّية - في مبحث السيرة - تدور وجوداً وعدماً مدار الارتكاز ، وبالتالي فما

--> ( 1 ) . منتقى الأصول 6 : 418 - 419 . ( 2 ) . حقائق الأصول 2 : 402 . ( 3 ) . قاعدة لا ضرر ولا ضرار ( السيستاني ) : 251 - 252 . ( 4 ) . تهذيب الأصول 2 : 540 . ( 5 ) . تحريرات في الأصول 5 : 246 . ( 6 ) . تنقيح الأصول ( العراقي ) : 47 . ( 7 ) . بحوث في علم الأصول ( الهاشمي ) 4 : 234 . ( 8 ) . انظر : المصدر السابق : 246 .