مركز التحقيقات والدراسات العلمية في المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية

240

موسوعه أصول الفقه المقارن

المحذور يلزم من وجود الإرادة الحقيقية لا الإرادة الإنشائية « 1 » . أمّا مسألة أمر العاصي بالطاعة والكافر بالإيمان ، فإنّهم أجابوا عن ذلك على أساس التفريق بين الإرادة التكوينية والتشريعية ، فإرادته تعالى التكوينية لم تتعلق بإيمان الكافر وإطاعة العاصي ، فلو تعلقت لتحقق ذلك ، أمّا أرادته التشريعية ، فإنّه ممّا لا شك فيه تعلقت بهما ، فإيمان الكافر لا يستلزم وقوع المراد حتماً كما توهم ، وبعبارة أخرى : إنّ إرادته تعالى إذا تعلقت بفعل نفسه لم يتخلف المراد ، وأمّا إذا تعلقت بفعل غيره فإنّما تتعلق بصدور الفعل من الغير على صفة الاختيار ، فلو تحقق لا عن اختيار لأصبح على خلاف إرادته تعالى « 2 » . وقد نسب الزركشي إلى بعض تسليمه بالملازمة بين الأمر والإرادة الدينية دون الكونية « 3 » . من هنا أرجع بعض الأصوليين النزاع بين الفريقين إلى النزاع اللفظي ، قال المحقّق العراقي : « فتمام الخلط والاشتباه نشأ عن الخلط بين الإرادة التكوينية والإرادة التشريعية » « 4 » ، وقال المحقّق الأصفهاني ( محمد تقي ) : « فما ذكره العدلية من اتحاد الطلب والإرادة ، إن أرادوا بها الإرادة على الوجه الثاني ( التكوينية ) ، ففساده واضح ؛ لوضوح المغايرة بينهما ، وإن أرادوا بها الإرادة على الوجه الأول ( التشريعية ) ، فهو الحق الذي لا محيص عنه ، وما ذكره الأشاعرة من المغايرة بينهما ، إن أرادوا بها الوجه الأول فهو فاسد قطعاً . . . ، وإن أرادوا بها الوجه الثاني كما يومي إليه ما استدلوا به عليه ، فهو متجه وممّا بينّا يقوم احتمال أن يكون النزاع بين الفريق لفظياً » « 5 » . وحاول الآخوند الخراساني الصلح بين الفريقين - وفق ما تبناه من الإرادة والطلب الحقيقيين والإنشائيين - بما حاصله : أنّ المراد من الاتحاد هو أنّ الإرادة الحقيقية والطلب الحقيقي متحدان ، وكذا الإرادة الإنشائية والطلب الإنشائي متحدان ، أمّا المغايرة فالمراد بها أنّ الإرادة الحقيقية تغاير الطلب الإنشائي كما تغاير الإرادة الإنشائية ، وكذا العكس « 6 » . غير أنّ السيد الخوئي لا يرى وجهاً لما ذكره الآخوند ؛ لأنّ المغايرة بين الطلب والإرادة مغايرة على مستوى المفهوم والواقع معاً « 7 » . هل الإرادة شرط في الدلالة ؟ ذهب بعض من المعتزلة والإمامية إلى اشتراط الإرادة في دلالة صيغة الأمر على الطلب « 8 » . وممّا استدلّ به على ذلك هو أنّ الصيغة ترد أمراً كقوله تعالى : « وَأَقِمِ الصَّلاةَ » « 9 » ، وغير أمر كقوله تعالى : « اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ » « 10 » ، ولا مخصِّص له إلّاالإرادة « 11 » .

--> ( 1 ) . منتهى الأصول 1 : 117 - 118 . ( 2 ) . انظر : كفاية الأصول : 67 - 68 . ( 3 ) . البحر المحيط 2 : 350 . ( 4 ) . نهاية الأفكار 1 - 2 : 169 . ( 5 ) . هداية المسترشدين 2 : 148 . ( 6 ) . كفاية الأصول : 66 . ( 7 ) . محاضرات في أصول الفقه 2 : 33 . ( 8 ) . انظر : المعتمد 1 : 43 ، معارج الأصول : 63 . ( 9 ) . هود : 114 . ( 10 ) . فصلت : 40 . ( 11 ) . معارج الأصول : 63 ، المعتمد 1 : 46 .