مركز التحقيقات والدراسات العلمية في المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية

222

موسوعه أصول الفقه المقارن

المحور الخامس : الحركة الأخبارية ودليل العقل وقد كان موقف الحركة الأخبارية من دليلية العقل واضحاً ، بحيث عُدّ معلماً من معالم هذه الحركة وصفة مميزة من صفاتها ، حيث « شطبت على العلوم العقلية بقلم عريض ، ولم ترَ للعقل أيّ وزن واعتبار لا في العلوم العقلية ولا في العلوم النقلية » « 1 » . وتوضيح محلّ النزاع : ذكر بعض العلماء : « أنّ الظاهر انحصار المستقلات العقلية التي يستكشف منها الحكم الشرعي في مسألة واحدة ، وهي مسألة التحسين والتقبيح العقليين ، وقد وقع البحث هنا في أمور متلاحقة وهي : أنّه بعد فرض القول بأنّ للأفعال في حدِّ أنفسها حسناً وقبحاً ، هل يتمكن العقل من إدراك وجوه الحسن والقبح مستقلًا عن تعليم الشارع وبيانه أم لا ؟ وعلى تقدير تمكنه هل للمكلّف أن يأخذ به بدون بيان الشارع وتعليمه أم ليس له ذلك إمّا مطلقاً أو في بعض الموارد ؟ وهذه المسألة هي إحدى نقط الخلاف المعروفة بين الأصوليين وجماعة من الأخباريين . أنّه بعد فرض أنّ للأفعال حسناً وقبحاً ، وأنّ العقل يدرك الحسن والقبح ، يصح أن ننتقل إلى التساؤل عمّا إذا كان العقل يحكم أيضاً بالملازمة بين حكمه وحكم الشرع ، بمعنى أنّ العقل إذا حكم بحسن شيء أو قبحه هل يلزم عنده عقلًا أن يحكم الشارع على طبق حكمه ؟ وهذه هي المسألة الأصولية المعبّر عنها بمسألة الملازمة التي وقع فيها النزاع ، فأنكر الملازمة جملة من الأخباريين وبعض الأصوليين . ثم إنّه بعد ثبوت الملازمة وحصول القطع بأنّ الشارع لابدّ أن يحكم على طبق ما حكم به العقل ، فهل هذا القطع حجّة شرعاً ؟ ومرجع هذا النزاع إلى ناحيتين : الأولى : في إمكان أن ينفي الشارع حجّية هذا القطع وينهى عن الأخذ به . الثانية : بعد فرض إمكان نفي الشارع حجّية القطع ، هل نهى عن الأخذ بحكم العقل وإن استلزم القطع . . . والنزاع في هاتين الناحيتين وقع مع الأخباريين جلّهم أو كلّهم » « 2 » . وأمّا المحقّق البحراني فيلخّص موقفه من دليل العقل بأ نّه : « لا ريب أنّ الأحكام الفقهية من عبادات وغيرها توقيفية تحتاج إلى السماع من حافظ الشريعة ، ولهذا قد استفاضت الأخبار . . . بالنهي عن القول في الأحكام الشرعية بغير سماع منهم عليهم السلام وعلم صادر عنهم ، ووجوب التوقف والاحتياط مع عدم تيسّر طريق العلم ووجوب الردّ إليهم في جملة منها ، وما ذلك إلّالقصور العقل المذكور عن الاطلاع على أغوارها ، وإحجامه عن التلجج في لجج بحارها ، بل لو تمّ للعقل الاستقلال بذلك لبطل إرسال الرسل وإنزال الكتب ، ومن ثمَّ تواترت الأخبار ناعية على أصحاب القياس بذلك » « 3 » . وبعد نقل جملة من الأخبار التي أشار إليها ، ذكر ما يُفهم منه : إنّه يلتقي برأيه في العقل مع الرأي الأصولي القائل بحجّية العقل الفطري ، الذي يراد به المدركات البديهية ، إلّاأ نّه يذهب إلى ندرته وقلة وجوده « 4 » .

--> ( 1 ) . تأريخ الفقه الإسلامي وأدواره : 384 . ( 2 ) . أصول الفقه ( المظفر ) 1 - 2 : 268 - 270 بتصرّف ، وراجع أيضاً : الفصول الغروية : 337 ، فرائد الأصول 1 : 51 وما بعدها ، أجود التقريرات 3 : 67 ، الأصول العامة للفقه المقارن : 284 ، مباحث الأصول ( الصدر ) 1 ق 2 : 202 . ( 3 ) . الحدائق الناضرة 1 : 131 . ( 4 ) . هكذا قرأتهم 2 : 180 - 181 .