مركز التحقيقات والدراسات العلمية في المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية

186

موسوعه أصول الفقه المقارن

بحدود قيوداتها أو متعلقاتها ، التي هي بمثابة قيودات محدِّدة لدائرة الحكم ومضيّقة له ، وهو ما لايتيسَّر الالتزام به إلّاعن طريق احترازية القيود كما تقدم بيانه . ولعلّ وضوح احترازية القيود وعدم إمكان التشكيك فيها عقلًا « 1 » ، هو السبب وراء عدم تعرض الجمهور وأكثر علماء الإمامية لها بصورة مباشرة ، وإن أمكن التعرف على آراء بعضهم بنحو الإجمال من خلال تعليقاتهم على بعض المسائل التي لها علاقة باحترازية القيود ، كمسألة ورود القيد مورد الغالب وتصريحهم بعدم إفادته الاحتراز « 2 » ، حيث يستفاد منه تسليمهم باحترازية القيود في غير ما قامت القرينة على كونه للتوضيح والمثال . احتمال حسن الأحمدي الشاهرودي أوّلًا : التعريف لغةً الاحتمال لغةً : ضدّ الجزم والقطع ، وهو من مراتب الكشف ، وأصله : الحمل بمعنى الشمول والتضمّن ، كحمل الشجر للثمرة ، والمرأة الحامل للولد ، والعالم للعلم ، والشاهد للشهادة ، وغيرها . وذلك لتضمّن الاحتمال الوجوه المختلفة من الكشف المقابل للجزم ، من الوهم والشك بل الظن . وقد يعبّر عنه بالجواز ؛ لجواز الوجوه المزبورة فيه « 3 » . اصطلاحاً يستعمل عرفاً ولدى أهل التخصّص من الفقهاء والأصولييّن بل الكلامييّن بنفس المعنى ، فيقال : التكليف المحتمل ، والعقاب المحتمل ، والضرر المحتمل ، ونحوها ، ويراد به غير المجزوم من الموارد المزبورة . نعم ، الظن الذي ثبت اعتباره شرعاً فهو ، وإن كان في ذاته غير العلم والجزم ، إلّاأ نّه ملحق بالعلم عقلًا في بعض الأحكام ، كالمنجزيّة والمعذريّة على ما ثبت في علم الأصول ، فكأ نّه صار اصطلاحاً عندهم في غير الظن المعتبر . ثانياً : الحكم ويقع البحث في أمور : الأمر الأول : منجزيّة احتمال التكليف الالزامي والبحث عنه تارةً بالنسبة لما قبل الفحص وحال الفحص ، وأخرى بالنسبة لما بعد الفحص . أمّا الأوّل : فلا شك ولا خلاف بين الأصوليين في منجزيّة التكليف الإلزامي المحتمل ، ولزوم الاحتياط في قباله . بمعنى أنّ العقل - وكذا الشرع - لايجوّزان على المكلّف إهمال التكاليف الإلزامية الواقعيّة بعذر الجهل وعدم العلم بها ، بل يوجبان عليه الفحص عنها وامتثالها مع تحقّقها واقعاً . وقد ناقش الأصوليون مفصّلًا موضوع وجوب معرفة الأحكام عقلًا وشرعاً من باب لزوم دفع الضرر الأخروي المحتمل ، وكذا أدلة هذا الوجوب ، ذيل بحوث مختلفة مثل : حجّية الظن ، وحكم العقل بدفع الضرر ، وقاعدة قبح العقاب بلا بيان « 4 » . بل هذا المقدار من الدلالة - أي وجوب الاحتياط حال الفحص وقبله - هو القدر المتيقّن من هذه الأدلة ، لكن الكلام إنّما يقع في منجزيّة الاحتمال بعد الفحص واليأس ، وعدمها وهو الفرض الثاني . فحيئذٍ لابدّ من بسط الكلام في مقامين : الأول : مقتضى الدليل العقلي . الثاني : مقتضى الدليل الشرعي . وهذا هو البحث الطويل في كتب الأصول المعنون « بالبراءة » « والاحتياط » عقلًا وشرعاً . المقام الأول : مقتضى الدليل العقلي ، ومجمل الكلام فيه أنّ هنا مسلكين : أحدهما : مسلك قبح العقاب بلا بيان ، المسمّى عندهم بالبراءة العقليّة ، وهو مسلك المشهور « 5 » . والثاني : المسلك المنسوب إلى الأخباريين القائلين بحكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل ، وكذا مسلك الشهيد الصدر القائل بثبوت حق المولوية عقلًا للمولى الحقيقي ، حتّى في دائرة التكاليف المشكوكة والموهومة ، فضلًا عن المظنونة ، ويسمى بمسلك حق الطاعة . أمّا المشهور القائلون بالبراءة العقليّة ، فخلاصة كلامهم في ذلك : أنّ العقل يرى المكلّف معذوراً في مخالفة التكاليف الإلزامية الواقعيّة إذا فحص عنها ولم يجد بياناً ودليلًا عليها من عقل أو شرع . ولهم في توضيح ذلك تقريبات « 6 » ، منها : ما ذكره النائيني من : أنّ العقاب على ما لا بيان عليه عقاب على ما لا مقتضي للتحرّك معه ، وهو ظلم وقبيح على الحكيم سبحانه وتعالى « 7 » . وقد يقال بأنّ نفس حكم العقل بدفع الضرر المحتمل

--> ( 1 ) . نهاية الأفكار 1 - 2 : 471 . ( 2 ) . الإحكام ( الآمدي ) 3 - 4 : 94 ، حواشي الشرواني 7 : 302 ، الوافية : 233 . ( 3 ) . انظر : الكليات : 57 ، محيط المحيط : 195 - 196 مادة « حمل » . ( 4 ) . فوائد الأصول 3 : 216 ، درر الفوائد ( الحائري ) 1 - 2 : 427 ، مصباح الأصول 2 : 89 . ( 5 ) . انظر : فرائد الأصول 2 : 56 . ( 6 ) . انظر : دروس في علم الأصول 2 : 333 - 335 . ( 7 ) . انظر : فوائد الأصول 3 : 365 - 366 .