مركز التحقيقات والدراسات العلمية في المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية
173
موسوعه أصول الفقه المقارن
وأجيب : أوّلًا : بوقوع المجمل في القرآن في الجملة ، وهو أدلّ دليل على إمكانه ، وذلك كالقُرء المردّد في المعنى بين الضدين - الحيض والطهر - عند أهل اللغة والتفسير ، ولا مبيّن له في الكتاب ، ولولا الروايات الواردة من أئمّة أهل البيت عليهم السلام في تعيين المراد منه لبقي مجملًا ، وكعسعس الموضوع للإقبال والإدبار « 1 » . وثانياً : بمنع كونه مخلًاّ بالحكمة ؛ لتعلق الغرض بالإجمال أحياناً ، وإلّا لما وقع المشتبه في كلامه أيضاً ، وقد أخبر في كتابه الكريم بوقوعه فيه كما مرّت الآية . وقد يكون الغرض من الإجمال بل الإهمال اضطرار المكلّفين إلى الرجوع إلى أهل الذكر والراسخين في العلم - وهم المعصومون من أهل البيت عليهم السلام - أو استعدادهم للامتثال بذكر الإجمال أولًا ثمّ الإتيان بالمبيّن أو اجتهادهم في طلب البيان « 2 » . وهي كلّها أغراض عقلائية لا تقبح على الحكيم تعالى . قال السيد الخوئي : « . . . لمنع كون الإجمال غير لائق بكلامه تعالى ، فإنّ الغرض قد يتعلق بالإجمال والإهمال ، كما أخبر هو تعالى بوقوعه في كلامه . . . « وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ » فالمتشابه هو المجمل ، وقد وقع في القرآن في غير مورد ، ولا مانع منه أصلًا إذا تعلق الغرض به ، ودعت الحاجة إلى الإتيان بذلك ، وباب القرينة واسع » « 3 » . وقال الشوكاني : « فلا يخفاك أنّ المشترك موجود في هذه اللغة العربية ، لا ينكر ذلك إلّا مكابر ، كالقرء ، فإنّه مشترك بين الطهر والحيض ، مستعمل فيهما من غير ترجيح وهو معنى الاشتراك » . ثمّ قال : « ومثل القرء ، العين . . . وكذا الجون . . . وكذا عسعس مشترك بين أقبل وأدبر ، وكما هو واقع في لغة العرب بالاستقراء ، فهو أيضاً واقع في الكتاب والسنّة ، فلا اعتبار بقول من قال : إنّه غير واقع في الكتاب فقط ، أو غير واقع فيهما ، لا في اللغة » « 4 » . وقال الآمدي : « إذا عرف وقوع الاشتراك لغةً ، فهو أيضاً واقع في كلام اللَّه تعالى ، والدليل عليه قوله تعالى : « وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ » ، فإنّه مشترك بين إقبال الليل وإدباره ، وهما ضدّان » « 5 » . فالذي ينبغي القول به هو : إنّ الإجمال تارةً يكون بحيث يعدّ نقصاً في البيان وتكلّما بما لا ينبغي صدوره من الحكيم ، وأخرى يكون بما ليس لذلك . وما ثبت وقوعه في الكتاب العزيز من الاشتراك يكون من قبيل الثاني ، فإنّ قوله تعالى : « وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ » وكذا قوله : « يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ » ونحوهما ، وإن كانت غير مبيّنة من بعض الجهات إلّاأ نّها ليست من اللّغو والمهمل الذي يُعَدّ نقصاً في البيان البليغ ، بل قد يكون استعمال المشترك بنفسه من بلاغة الكلام إذا كان باب القرينة مفتوح ؛ لكونه أوقع في النفس من ذكره ابتداءً مبينّاً « 6 » . قال الآمدي الذي مرّ تصريحه بوقوع المشترك في
--> ( 1 ) . انظر : معجم مفردات ألفاظ القرآن : 445 مادة « قَرء » ، تفسير غريب القرآن : 60 ، التبيان 2 : 394 ، مجمع البيان 2 : 300 ، المهذّب البارع 3 : 481 ، المعتبر في شرح المختصر 1 : 28 ، نهاية الدراية 1 : 145 ، الفصول في الأصول 1 : 64 ، المحصول ( الرازي ) 1 : 465 . ( 2 ) . انظر : المحصول ( الرازي ) 1 : 466 ، مفاتيح الأصول : 223 ، هداية المسترشدين 1 : 497 ، كفاية الأصول : 35 . ( 3 ) . انظر : محاضرات في أصول الفقه 1 : 203 ، دراسات في علم الأصول ( الخوئي ) 1 : 98 - 99 . ( 4 ) . إرشاد الفحول 1 : 113 . ( 5 ) . الإحكام ( الآمدي ) 1 - 2 : 22 . ( 6 ) . التحبير شرح التحرير 6 : 2753 .