مركز التحقيقات والدراسات العلمية في المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية

121

موسوعه أصول الفقه المقارن

وأهم ما تميّزت به هذه المرحلة هو ظهور مدرستين في الفقه الإسلامي ، هما : مدرسة الحديث ، ومدرسة الرأي « 1 » ، وأوعز الأفغانستاني ذلك إلى طبيعة البيئة التي انتشر فيها الاجتهاد ، فيرى البيئة التي تكثر فيها الوقائع والأحداث والكذب والوضع للأحاديث النبوية ، أكثر تركيزاً على ضوابط القواعد وربط الأحكام بالعلل ، من البيئة التي لايكثر فيها ذلك ؛ ولذا تكتفي الثانية بالنقل ، ومثّل للبيئة الأولى بالعراق ، والثانية بالحجاز « 2 » . وقد تميّزت هذه المرحلة أيضاً بظهور المذاهب الأربعة ومدارسها وطلّابها ، وتدوين الفقه تدويناً علميّاً ومذهبيّاً « 3 » . المرحلة الرابعة : الاجتهاد بعد الأئمّة الأربعة وهي مرحلة ضعف الاجتهاد وأفوله ، والتي شهدت إفتاء علماء المذاهب بإقفال باب الاجتهاد « 4 » ، لأسباب ذكر منها : التعصب المذهبي ، وتأثّر التلاميذ بأساتذتهم ، ومنها : سيرة القضاة وتقيّدهم بمذهب فقهي خاص هو مذهب الخليفة ، ومنها : تدوين المذاهب « 5 » . وبمرور الوقت استحكمت في هذه المرحلة روح التقليد ، ولم يبقَ من الاجتهاد إلّااسمه . وقد اختلف في تحديد الفترة الزمنية لهذه المرحلة ، بعد الاتفاق على بداية أفول الاجتهاد مع حلول القرن الرابع « 6 » . وهناك دعوات قوية من قِبل بعض العلماء والباحثين من أهل السنّة إلى فتح باب الاجتهاد ، تؤكد على ضرورته والحاجة إليه خصوصاً في العصر الحديث « 7 » . الجهة الثانية : تاريخ الاجتهاد عند الإماميّة تقدّم في بداية البحث أنّ الإماميّة تذهب إلى عدم التعبّد بالاجتهاد حتى عصر الغيبة الكبرى ، وذلك أنّهم ذهبوا إلى أنّ النبي صلى الله عليه وآله لم يكن متعبّداً بالاجتهاد ، مستدلين بقوله تعالى : « فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ » « 8 » ، وقوله : « وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ » « 9 » ، وقوله تعالى : « وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى » « 10 » ، وبأنّ الاجتهاد يحتمل الخطأ والصواب ، وهذا يرفع الثقة بقول النبيّ صلى الله عليه وآله ، وأنّ الاجتهاد يفيد الظن والوحي يفيد القطع ، والقادر على الدليل القطعي لا يجوز له الرجوع إلى الظن بالإجماع « 11 » . وقد استغنوا عن اجتهاد الرأي بتمسّكهم بأئمّة أهل البيت عليهم السلام « 12 » بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله ، ولم يجز للأئمّة الاجتهاد ؛ لأنّهم معصومون ، وقد أخذوا الأحكام بتعليم الرسول صلى الله عليه وآله ، أو بإلهام من اللَّه تعالى « 13 » . ويمكن استعراض تاريخ الاجتهاد لدى الشيعة الإماميّة ضمن المراحل التالية : المرحلة الأولى : وهي مرحلة منع الاجتهاد ومعارضته وذمّه ، وتستمر من عصر النبيّ إلى القرن السابع ، وكان يعني الاجتهاد في هذه المرحلة التفكير الشخصي في مقابل الكتاب والسنّة ، ويعبّر عنه ب ( اجتهاد الرأي ) .

--> ( 1 ) . المدخل الفقهي العام 1 : 167 - 170 . ( 2 ) . الاجتهاد ( توانا الأفغانستاني ) : 42 - 43 . ( 3 ) . انظر : المدخل الفقهي العام 1 : 171 - 175 ، الاجتهاد ( توانا الأفغانستاني ) : 43 - 47 . ( 4 ) . المدخل الفقهي العام 1 : 176 . ( 5 ) . راجع : تأريخ التشريع الإسلامي ( الخضري ) : 242 - 245 ، المدخل الفقهي العام 1 : 176 - 180 ، الاجتهاد ( توانا الأفغانستاني ) : 93 - 94 . ( 6 ) . راجع : المدخل الفقهي العام 1 : 176 ، الاجتهاد ( توانا الأفغانستاني ) : 90 - 94 ، تأريخ الفقه الإسلامي وأدواره : 88 - 92 ، الاجتهاد في الإسلام ( العمري ) : 218 - 221 . ( 7 ) . انظر : الأصول العامة للفقه المقارن : 583 أصول الأحكام : 368 ، الاجتهاد في الاسلام ( العمري ) : 197 ، الاجتهاد في الشريعة الإسلامية ( فيض اللَّه ) : 458 - 459 . ( 8 ) . المائدة : 48 . ( 9 ) . المائدة : 44 . ( 10 ) . النجم : 3 - 4 . ( 11 ) . انظر : العدّة في أصول الفقه ( الطوسي ) 2 : 735 ، نهج الحق وكشف‌الصدق : 405 - 406 ، مبادئ الوصول : 240 . ( 12 ) . بيان الأصول ( الصافي ) 3 : 351 - 353 . ( 13 ) . مبادئ الوصول : 241 .