مركز التحقيقات والدراسات العلمية في المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية

111

موسوعه أصول الفقه المقارن

الأفعال . أمّا من ناحية الموضوع ؛ فلأنّ النفس حقيقة مجردة قابلة لاجتماع إرادات وكراهات مع تعدّد المراد ، وكذا مع اتحاده ؛ لأنّ المتعلق لا تأثير له في ماهية الإرادة والكراهة ، وإنّما هو مؤثر في تشخيصها وإبرازها ، فلا يحصل التضاد والتباعد بين الإرادة والكراهة لمجرد تعدد المراد ؛ لعدم طرد ما يوجب انقلاب ماهيتهما وتبدلهما إلى متضادين بعد أن كانتا ملتئمتين مجتمعتين في صورة التعدد ، فليس للمراد دور إلّافي تشخيص الماهية ، ولا تأثير له في قوامها وحقيقتها ، وعدم اجتماعهما ليس للتضاد بين ماهيتهما ، بل قد يكون لأسباب أخرى [ كعدم قدرة النفس على الجمع بينهما ] . هذا بلحاظ الموضوع ، وأمّا بلحاظ المتعلق فلا تضاد بينهما أيضاً ؛ إذ ليس متعلقهما الفعل الخارجي ، بل هو الوجود الفرضي العنواني ، وما كان في أفق النفس يستحيل تقومه بخارجها ، وإلّا لزم انقلاب ما في النفس إلى الخارج ، مع أنّه قد يحصل الشوق والإرادة إلى شيء لا وجود له خارجاً ، فليست الإرادة والكراهة من أوصاف الفعل الخارجي حتى يمكن اتصافهما بالتضاد . ولكي تقف على كلام المحقّق الأصفهاني بنفسك لا بأس بنقل عبارته في هذا المجال ، حيث قال : « لا مانع من اجتماع إرادات [ متعددة ] وكراهات كذلك في زمان واحد ؛ لبساطة النفس وتجردها ، فلا تضيق النفس عن قبول إرادات متعددة أو كراهات كذلك في زمان واحد . لا يقال : الوجدان شاهد على قيام إرادات متعلقة بأمور متعددة لا بأمر واحد ، وكذلك قيام الإرادة والكراهة بالإضافة إلى أمرين ، لا بالنسبة إلى أمر واحد . لأنا نقول : متعلق الإرادة مشخِّص فردها لا مقوّم طبيعتها وحقيقتها ، والعبرة في التضاد والتماثل بنفس الحقيقة ، والتشخص تشخص المتضادين والمتماثلين ، موجودان من حقيقة واحدة متماثلان ، ووجودان من حقيقتين بينهما غاية البعد والخلاف متضادان ، والمتعلق أجنبي عن الحقيقة . والغرض عدم لزوم اجتماع الضدين والمثلين بالنسبة إلى موضوع النفس لا عدم محذور آخر أحياناً ، هذا حالهما من حيث الموضوع . وأمّا من حيث المتعلق فنقول : لا ريب أنّ الشوق المطلق - مثلًا - لا يوجد في النفس ، بل يوجد متشخصاً بمتعلقه ، ويستحيل أن يكون الخارج عن أفق النفس مشخّصاً لما في أُفق النفس ، وإلّا لزم إمّا كون الحركات الأينية والوضعية القائمة بالجسم نفسانية ، أو كون الإرادة النفسانية من عوارض الجسم ، خصوصاً في الإرادة التشريعية ، فإنّه كيف يعقل أن تكون الحركات القائمة بالمكلّف مشخّصة لإرادة المولى ؟ ! . . . مضافاً إلى أنّ طبيعة الشوق - بما هو شوق - لا تتعلق إلّا بالحاصل من وجه والمفقود من وجه ؛ إذ الحاصل من جميع الجهات لا جهة فقدان له كي تشتاق إليه النفس ، والمفقود من جميع الجهات لا ثبوت له بوجه كي يتعلق به الشوق ، فلابدّ من حصوله بوجوده العنواني الفرضي ليتقوّم به الشوق ، ولابدّ من فقدانه بحسب وجوده التحقيقي كي يكون للنفس توقان إلى إخراجه من حدّ الفرض والتقدير إلى حدّ الفعليّة » « 1 » . لكن لو فرض صحة هذا الكلام فهو مبتن على جواز اجتماع منشأ الإرادة والكراهة ، وهما المصلحة أو المفسدة الغالبتين « 2 » . وعلى أي حال فالمعروف استحالة اجتماع الإرادة

--> ( 1 ) . نهاية الدراية 2 : 311 - 312 . ( 2 ) . منتقى الأصول 3 : 83 .