مركز التحقيقات والدراسات العلمية في المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية
106
موسوعه أصول الفقه المقارن
فيكون الواجب الواقعي في حق من قامت عنده الأمارة الدالة على وجوب صلاة الجمعة أحد أمرين على سبيل التخيير : إمّا صلاة الظهر ، أو سلوك الأمارة المزبورة ، فلا يكون الحكم الواقعي مشتركاً بين العالم والجاهل بنحوٍ واحد ، بل في حق العالم تعييني ، وفي حق الجاهل تخييري . وهذا نوع من التصويب ، يدل على بطلانه الإجماع والروايات الدالة على اشتراك الأحكام بين العالم والجاهل « 1 » . الفرع الثاني : ما كان بنحو الطريقيّة ، أي أنّه ليس في حجّية الأمارة إلّامصلحة الإيصال إلى الواقع ، فقد أجيب عنه : أولًا : إنّ تفويت المصلحة أو الإلقاء في المفسدة ، ليس من العناوين القبيحة بالذات بنحو العلّة التامة للقبح كالظلم ، بل هي تقتضي ذلك إذا لم يكن هناك ما يمنع من ذلك ، فهي كالكذب الذي يزول قبحه بمجرد طرو المصلحة عليه « 2 » ، وإنّما يكون العمل بالحكم الظاهري في حال الانفتاح من هذا القبيل ؛ لأنّ إلزام المكلّفين بتحصيل العلم يوجب حرجاً على نوع المكلّفين ، وهو منافٍ للشريعة السمحة وسهولتها ، فلو قدّم الشارع الحكيم مصلحة التسهيل على مصلحة الواقع الفائتة عند مخالفة الأمارة له لم يكن ذلك قبيحاً ، وكم للشارع من أحكام مجعولة لغرض التسهيل على النوع مع اقتضاء المصلحة الواقعية خلافها « 3 » . وثانياً : « إنّ غالب الأمارات بل جميعها طرق عقلائية لا تأسيسية من قبل الشارع ، ومن الواضح أنّ ردع العقلاء عمّا استقر بناؤهم عليه في أمور معاشهم يحتاج إلى مصلحة ملزمة ، كمصلحة ترك العمل بالقياس الذي يغلب فيه عدم المطابقة للواقع ، ولذا ورد النهي عن العمل به ، وأمّا لو لم تكن مصلحة ملزمة في الردع ، كما إذا كانت مخالفة الأمارة للواقع قليلة في جنب مصلحة التسهيل ، فلا وجه للردع أصلًا » « 4 » . وثالثاً : « إنّ الالتزام بامتناع التعبّد بالأمارة في فرض انفتاح باب العلم ممّا لا يترتب عليه أثر عملي ؛ إذ الانفتاح مجرد فرض لا واقع له حتى في زمان حضور المعصوم عليه السلام ، فإنّ العلم بالواقع في جميع الأحكام - ولا سيما في الشبهات الموضوعية - ممتنع عادةً حتى لأصحاب الإمام عليه السلام ؛ إذ لا يمكن الرجوع إلى نفس المعصوم في كلّ مسألة وكلّ شبهة حكمية وموضوعية في كلّ وقت وساعة كما هو واضح . فتحصّل أنّه لا مانع من التعبّد بالأمارة من ناحية الملاك أيضاً » « 5 » . وأمّا الشبهة الأخيرة ، وهي شبهة عدم تنجّز الواقع بقيام الأصل والأمارة ، فقد أجيب عنها بعدم المنافاة بين تصحيح العقاب على التكليف الواقعي الذي أخبر عنه الثقة بلحاظ حجّية خبره ، وبين قاعدة قبح العقاب بلا بيان ؛ لأنّ المولى حينما يجعل خبر الثقة حجّة يعطيه صفة العلم والكاشفية اعتباراً على مسلك الطريقيّة ، فيخرج التكليف الواقعي عن دائرة قبح العقاب بلا بيان ؛ لأنّه يصبح معلوماً بالتعبّد « 6 » .
--> ( 1 ) . مصباح الأصول 2 : 97 . ( 2 ) . نهاية الدراية 3 : 129 - 131 . ( 3 ) . مصباح الأصول 2 : 98 . ( 4 ) . المصدر السابق بتصرّف . ( 5 ) . المصدر نفسه بتصرّف . ( 6 ) . دروس في علم الأصول 2 : 32 ويمكن استفادة هذا الجواب ممّا جاء في أجود التقريرات 3 : 24 .