مركز التحقيقات والدراسات العلمية في المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية
104
موسوعه أصول الفقه المقارن
متعلقاتها على ما هو المعروف من مذهب العدلية ، إلّاأ نّه تكفي في ذلك المصلحة النوعية ، ولا يعتبر وجود المصلحة الشخصية دائماً . وقد وقع نظير ذلك في أحكام الشريعة ، كتشريع العدة التي لوحظ فيها مصلحة المحافظة على الأنساب وعدم اختلاط المياه ، مع عدم اطراد هذه المصلحة في جميع مواردها ، إلّاأنّ الشارع قد شرّعها بنحو العموم ؛ حفاظاً على المصلحة النوعية دون الشخصية . الصورة الثانية : هي ما إذا دلّت الأمارة على إباحة ما هو حرام واقعاً أو واجب كذلك ، فإنّه مع انسداد باب العلم لا إشكال في جعل المولى حجّية الأمارة أصلًا ؛ إذ على تقدير عدم جعلها كذلك يخيّر المكلّف بين الفعل والترك ؛ لاستقلال العقل بقبح العقاب بلا بيان ، فكذا الأمر على تقدير جعلها ؛ لأنّ مفادها الترخيص على الفرض ، فله أن يفعل وله أن يترك بمقتضى حجّية الأمارة ، وله أن يحتاط لحسن الاحتياط ولو مع قيام الأمارة على الترخيص . وبالجملة ، بعد فرض عدم تمكن المكلّف من الوصول إلى الواقع ، يدور الأمر بين أن يتركه المولى وعقله المستقل في الترخيص ، أو يجعل له طريقاً يوصله إلى الواقع غالباً . ولا ينبغي الشك في أنّ الثاني هو المتعيّن ، ومخالفة الأمارة للواقع أحياناً ممّا لا محذور فيه ، بعد عدم تنجّز الواقع على المكلّف ، وكونه مرخّصاً في الفعل والترك بمقتضى حكم العقل ، فلا يستند فوات المصلحة أو الوقوع في المفسدة إلى التعبّد بالأمارة . الصورة الثالثة : هي ما إذا دلّت الأمارة على وجوب ما كان حراماً واقعاً ، أو على حرمة ما كان واجباً واقعاً مع انسداد باب العلم ، فإنّ التعبّد بالأمارة في هذه الصورة وإن كان مستلزماً لتفويت المصلحة أو الإلقاء في المفسدة في بعض الموارد ، إلّاأ نّه لا قبح فيه لو كان غالباً ما يطابق الواقع ؛ لأنّ الأمر دائر بين عدم جعل الأمارة حجّة ، فيختار المكلّف ما يشاء من الفعل والترك والمفروض عدم إمكان الاحتياط ، وبين جعل الأمارة حجّة فيفعل المكلّف ما دلّت الأمارة على وجوبه ، ويترك ما دلّت على حرمته ، ولو يرى المولى العالم بالحقائق أن تفويت الملاك الواقعي في الصورة الأولى أكثر من الصورة الثانية ، تعيّن عليه جعل الأمارة حجّة وإن استلزم العمل بها فوت الملاك الواقعي أحياناً . وقد جرت طريقة العقلاء على ذلك أيضاً ، فنجدهم يراجعون الأطباء مع ما يرون من الخطأ الصادر منهم الموجب للهلاك أحياناً ؛ لغلبة مصادفة معالجتهم للواقع . هذا بناء على انسداد باب العلم « 1 » ، الذي استظهر بعضهم عدم كونه مراداً لمن قال باستحالة التعبّد بالأمارات « 2 » . 2 - الجواب عن الشبهة بناء على انفتاح العلم وأما بناءً على انفتاح باب العلم ، فإن كان المراد من العلم القطع - ولو كان مخالفاً للواقع - فلا إشكال في التعبّد بالأمارة أيضاً ، بل هو داخل في صورة الانسداد موضوعاً ، إذ المراد بالانسداد هو انسداد باب الوصول إلى الواقع لا انسداد باب القطع ، ولو كان في حقيقته جهلًا مركباً ، إذ الجهل المركب كالجهل البسيط لا يؤثر في حسن التعبّد بالأمارة شيئاً . وأمّا إن كان المراد من الانفتاح الوصول إلى الواقع ، فيمكن تصوره إمّا بنحو السببيّة ، أو بنحو الطريقية . فهنا فرعان : الفرع الأول : ما كان بنحو السببية : فلا إشكال في صحة التعبّد
--> ( 1 ) . أجود التقريرات 3 : 111 ، مصباح الأصول 2 : 92 - 94 . ( 2 ) . أجود التقريرات 3 : 111 - 114 .