مركز التحقيقات والدراسات العلمية في المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية
100
موسوعه أصول الفقه المقارن
لا يكون فعلياً قبل العلم به ، ففيه : أنّه لا معنى له ، بعد إنشائه بداعي الجعل الذي هو موضوع لفعلية الحكم ، التي يكون تخلفها عنه حينئذٍ من قبيل تخلف المعلول عن علّته « 1 » . الوجه الثاني : هو أنّ الأمر بالعمل بخبر العادل إنّما هو للإرشاد إلى أقربيّته إلى الواقع من غيره ، فليس الأمر بتصديق العادل حكماً مولوياً ، ليلزم منه اجتماع الضدين أو المثلين « 2 » . وأورد عليه : إنّ مجرد كون الأمر للإرشاد إلى أقربيّة الخبر للواقع لايحلّ المشكلة ؛ لأنّه إذا لم يكن له أثر في تنبيه المكلّف إلى لزوم العمل بخبر الواحد ، فالإرشاد إليه يكون عديم الثمرة ولغواً لا يقوم به الشارع . وإن كان له أثر في ذلك ، فهو أيضاً لايحلّ إشكال الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي وما يستتبعه من اجتماع الضدين أو المثلين ، فلا يكفي مجرد الإنشاء في رفع غائلة الاجتماع « 3 » . الوجه الثالث : هو ما ذكره المحقّق النائيني من عدم ورود الإشكال المتقدم ، سواء أكان الحكم الظاهري مدلولًا لأمارة أو أصل ، أصل عملي محرزاً أو غير محرز . أمّا إذا كان مدلولًا لأمارة شرعية ، فلأنّ المجعول فيها باعتقاده هو مجرد الطريقيّة والكاشفيّة ، بمعنى التعبّد بكونها طريقاً كاشفاً عن الواقع بإلغاء احتمال الخلاف ، فليس هناك حكم تكليفي ، وإنّما هو حكم وضعي لا يلزم من تشريعه تضاد في الأحكام ، فحال الأمارات من هذه الناحية حال القطع بالأحكام ، فكما يكون العلم الوجداني منجّزاً مع المطابقة ، ومعذّراً مع المخالفة ، فكذلك العلم التعبّدي يكون منجّزاً ومعذّراً ، وكما لا مجال لتوهم التضاد عند مخالفة القطع للواقع ، فكذلك لا مجال لتوهمه في الأمارات « 4 » . وأمّا الأصول العملية المحرزة - وهي الأصول الناظرة إلى الواقع بإلغاء جهة الشك ، كالاستصحاب وقاعدة الفراغ ونحوها - فعدم استلزامها الإشكال المذكور لكون المجعول فيها أيضاً الطريقيّة والكاشفيّة ، لكن لا من جميع الجهات ، بل من حيث الجري العملي في موردها فقط ، فهي علم تعبدي من هذه الجهة ، وليس في موردها حكم مجعول حتى يلزم اجتماع الضدين « 5 » . وأمّا الأصول غير المحرزة - التي ليس فيها نظر إلى الواقع وإنّما شرعت لبيان الوظائف العملية عند الشك فيه ، إمّا تنجيزاً كالاحتياط ، وإمّا تأميناً كالبراءة - فلأنّ الاحتياط لا يكون إلّاطريقاً للحفاظ على ملاك الحكم الواقعي ، فإن صادف الواقع فلا محذور فيه أصلًا ، إذ لا تعدد في الحكم ليلزم اجتماع المثلين ، بل الحكم واحد ناشئ من ملاك واحد ، وإنّما التعدد في الإنشاء والإبراز . وإن لم يصادف الواقع ، فلا وجوب للاحتياط حقيقة ليلزم التضاد بينه وبين الترخيص الواقعي ، إذ وجوب الاحتياط إنّما هو للتحفظ على ملاك الحكم الواقعي ، ففي فرض مخالفته للواقع لا وجوب له حقيقة ، بل وجوبه حينئذٍ تخيلي . وأمّا البراءة فمع مصادفتها للترخيص الواقعي لا محذور فيها أصلًا كما في الاحتياط ، ومع مخالفتها للواقع لا يلزم التضاد ؛ لعدم كونها في مرتبة واحدة ، لأنّها إنّما يعمل بها في
--> ( 1 ) . مصباح الأصول 2 : 103 . ( 2 ) . حكاه الحائري في درر الفوائد 1 - 2 : 354 عن أستاذه . انظر : نهاية الأفكار 3 : 69 . ( 3 ) . انظر : نهاية الدراية 3 : 143 . ( 4 ) . فوائد الأصول 3 : 105 - 110 . ( 5 ) . المصدر السابق : 110 - 112 .