محمد الساعدي

32

موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح

البناء » ، وقابل في الظاهرة القرآنية بين « المذهب المادّي والمذهب الغيبي » ، وهي لمحات تتّسم بالذكاء والتعمّق في أزمة الإنسان المسلم في عصر ما بعد الموحّدين ، أي : حتّى عصرنا هذا الذي تتصارع فيه المذاهب والجدليات . وكان المبدأ الذي يعتمد عليه دائماً هو المبدأ القرآني : « إنّ اللَّه لا يغيّر ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم » . رحم اللَّه مالكاً رحمة تكافئ ما تميّز به من إيمان عميق بفكرته ، وأمل عظيم في بعث هذه الأُمّة الإسلامية ، وإحياء تراثها في واقعها ، للتغلّب على مشكلات التخلّف الحضاري » . وقد كانت هناك خاصّة نفسية من لوازم الأُستاذ مالك ، وقد أثّرت في شخصيته تأثيراً بالغاً ، يكاد يصل إلى مستوى العقدة النفسية ! ذلك أنّ الرجل كان يكره الاستعمار ويحاربه ، وكان يوجّه انتقاده إلى المجتمعات الإسلامية لما أصابها من عقدة « القابلية للاستعمار » . لقد كان يؤكّد دائماً أنّ البلاء ليس مقصوراً على القوى الاستعمارية التي تفرض « الاستعمار » على الشعوب المستضعفة ، بل إنّ هذه الشعوب هي التي تغري الاستعمار بالعدوان عليها ، بما أصاب نفسيتها من ضعف يغري أعداءها بافتراسها ، وتلك العقدة هي التي أطلق عليها مالك : « القابلية للاستعمار » ، وقد كان يرقب أحوال هذه الشعوب ، بل لقد كان يرقب أحوال الأفراد في مختلف البلدان ، ويفسّر ما هم عليه من رضا بالهوان والضعف والجهل ، وما تسير عليه سياسات الزعماء والحكّام من مهادنة للعدوّ ومخادعة للجماهير ، بأنّ ذلك هو من أثر « القابلية للاستعمار » ، فكأنّه كان يحارب في جبهتين في وقت واحد . إنّ حسّاسيته تجاه هذه العقيدة كانت تجسّد له وجود الاستعمار في كلّ مكان ، ووراء كلّ باب ، وفي ضمير كلّ من يتعامل معه ، بل بلغ به الأمر إلى حدّ أن يشكّ في كثير ممّن يقتربون منه ، وكأنّهم مرسلون من « الاستعمار » لإيقاع الأذى به ، وقد كتب في مثل هذه المواقف رأيه عن « الاغتيال بوسائل العلم » . ( انظر ترجمته في : الأعلام للزركلي 5 : 226 ، موسوعة السياسة 5 : 682 - 683 ، ملحق موسوعة