محمد الساعدي

13

موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح

إسلامية ، حيث أزعم أنني قريب من أجوائه في مصر ، بحكم الاعتبار الجغرافي على الأقلّ . وإذا ألقينا السؤال : لماذا كان حماس أهله في الأربعينيات للتقريب أكبر وأوضح منه في التسعينيات ؟ فإنّ الإجابة الحاضرة في ذهني الآن هي : أنّ الفرق بين المرحلتين يمكن في اختلاف طبيعة العلاقة بين العلماء والسلطة في كلّ منهما . ففي ذلك الوقت المبكّر كان الأزهر وعلماؤه يتمتعون بقدر من الاستقلال سمح لهم بأن يتّخذوا مواقف ويعبّروا عن آراء حرّة يبتغون بها وجه اللَّه دون أن يكون للسلطة شأن بها . وكان ذلك بعضاً من تجلّيات المرحلة الليبرالية النسبية التي عاشتها مصر آنذاك . في التسعينيات ، في ظلّ استمرار تراجع الهامش الديمقراطي وتعاظم دور الدولة ، لم يكن بمقدور العلماء أو الأزهر أن يتحرّكوا بعيداً عن سلطان الدولة ولا سياساتها . ولذلك فإنّ الخلاف السياسي مع إيران أدّى تلقائياً إلى تراجع عملية التقريب ، بل وفتح الباب في أقطار عربية عدّة - وليس في مصر وحدها - لتعميق التفريق ، وتقديم التخاصم والتقاطع على التلاقي والتفاهم ، وكانت النتيجة أن تراجعت علائق السنّة والشيعة عمّا كانت عليه قبل نصف قرن مضى . بكلّ المقاييس فأوضاع التسعينيات أفضل بكثير من أوضاع الأربعينيات ، فهذه الأخيرة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية كانت مسكونة بأجواء الإحباط واليأس . . كانت الخلافة الإسلامية قد أُلغيت في تركيا ، وكان العالم العربي كلّه تقريباً يرزح تحت الاحتلال ، وبدا الغرب في أوج قوّته ، منتصراً في الحرب ومستعلياً كنموذج حضاري . ومع ذلك فقد انتعشت حركة التقريب على نحو مدهش كما سنرى بعد قليل . في الثمانينيات والتسعينيات كانت المشاعر الدينية قد تعالت مؤشّراتها ، وسرى الانتعاش بدرجة أكبر في المجتمعات الشيعية التي استقبلت بحفاوة حدث الثورة الإسلامية في إيران . ورغم أنّه من المفترض في هذه الأجواء أن تكون الظروف مواتية للتقريب بدرجة أكبر ، إلّاأنّ ذلك لم يحدث للأسف الشديد ؛ لأنّ رياح السياسة وضغوطها أصبحت أقوى ، الأمر الذي لم يوفّر لجهود التقريب الدفعة القوية المرجوّة .