عادل عبد الرحمن البدري
95
معالم الفكر السياسي ونظرية الدولة في الإسلام
قوته الشعير ، وحلواه التمر ، ووقوده السعف إذا وجده « 1 » فأيّ درس عظيم يمكن أن يتعلّموا منه مبادئ السلطة والحكم وقيادة الأمّة ! وبذلك السلوك علّم أوصياءه وأهل بيته . فلقد تلقّت فاطمة ( عليهاالسلام ) في بيت أبيها ( ص ) دروس التقوى والزهد ، فلم يكن ( ص ) يطيق أن يرى ابنته الكريمة حين خرجت إلى بيت زوجها تتزيّن بمباح الزينة ، وهناك رقاب تتلوّى جوعاً وعبودية ، تقول الرواية حين رأى النبي ( ص ) على عنق فاطمة ( عليهاالسلام ) قلادة من ذهب اشتراها لها عليّ ( ع ) من فيء ، قال لها : يا فاطمة لا يقول الناس : إنّ فاطمة بنت محمد تلبس لباس الجبابرة ! وحين سمعت هذا الكلام ( ع ) بادرت إلي تقطيع هذه القلادة وباعتها واشترت بها رقبة فمنحتها الحرية « 2 » . هكذا كان النبيّ ( ص ) مع ابنته يلقي لها دروساً في مواساة الناس والدنو منهم ، والإحساس بمعاناتهم ، وتذكّر ما يعانيه الإنسان من شظف وشدّة وقهر ، فامرأة مثل فاطمة ( ع ) هي أولى بهموم الناس والدنوّ والقرب من النفوس الملتاعة المعذّبة لأنها كانت تتقاسم مع أبيها وبعلها ثقل المسؤولية وشرف الرسالة التي كانت ملقاة على عاتق أهل البيت ( ع ) . فلم تكن بنت النبيّ ( ص ) فاطمة ( ع ) مرفّهة ، أو أحسن من حال أبيها ، أو أحسن من حال عليّ ( ع ) الذي تعيش معه في بيت صغير ، فلم تكن تطمح أن تكون مترفة أو تعيش حياة بنات الملوك وأزواج الأمراء ، كما هو مأثور عن الأسر الحاكمة ، فلقد تربّت ونشأت في عش صغير متواضع لا يليق بأيّ امرأة من بنات قريش وغيرها من قبائل العرب ، ولم تكن تأبه لهذا الوضع ، بل تلقّت الأمر بقبول ورضى وقناعة تنم عن تربية ربّانية عالية ، حتّى أنّ سلمان ( رضي الله عنه ) الصحابي الجليل الذي عايش هذه الأسرة
--> ( 1 ) أصول الكافي 138 : 2 ح 1 باب القناعة . وروي عنه ( صلى الله عليه وآله ) أنّه لم يشبع من خبز برّ ثلاثة أيّام . أمالي الطوسي : 663 ط مؤسسة البعثة . ( 2 ) ينظر عيون أخبار الرضا 45 : 2 ح 161 .