عادل عبد الرحمن البدري
90
معالم الفكر السياسي ونظرية الدولة في الإسلام
من جور ، ولم يلحقوا بعدل ، وإنّا لنطمع في هذا الأمر أن يذلل الله لنا صعبه ويسهّل لنا حزنه ، إن شاء الله والسلام « 1 » . ولذلك عرّضت سودة بنت عمارة الهمدانية بالخليفة الأموي معاوية بن أبي سفيان وأفهمته بأنّ العدل والإنصاف هو أبرز معلم من معالم حكومة عليّ ( ع ) تلميذ رسول العدالة ( ص ) . وفي هذا روى الأربلي صاحب كشف الغمّة صورة من سيرة وعدل عليّ ( ع ) بالقول : بأن سودة بنت عمارة الهمدانية دخلت على معاوية بعد موت عليّ ( ع ) فجعل يؤنّبها على تحريضها عليه أيّام صفين ، وآل أمره إلى أن قال : ما حاجتك ؟ قالت : إنّ الله مسائلك عن أمرنا وما افترض عليك من حقّنا ، ولا يزال يقدم علينا من قبلك من يسمو بمكانك ، ويبطش بقوّة سلطانك فيحصدنا حصد السنبل ، ويدوسنا دوس الحرمل ، يسومنا الخسف ويذيقنا الحتف . هذا بسر بن أرطاة قدم علينا فقتل رجالنا وأخذ أموالنا ، ولولا الطاعة لكان فينا عزّ ومنعة ، فإن عزلته عنّا شكرناك وإلّا كفرناك ، فقال معاوية : إيّاي تهددين بقومك يا سودة ! لقد هممت أن أحملك على قتب أشوس فأردّك إليه فينفذ فيك حكمه ، فأطرقت سودة ساعة ثمّ قالت : صلّى الإله على روح تضمّنها * قبر فأصبح فيه العدل مدفونا قد حالف الحقّ لا يبغي به بدلا * فصار بالحقّ والإيمان مقرونا فقال معاوية : من هذا يا سورة ؟ قالت : هو - والله - أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ، والله لقد جئته في رجل كان قد ولّاه صدقاتنا فجار علينا ، فصادفته قائماً يصلّي ، فلمّا رآني انفتل من صلاته ، ثمّ أقبل عليّ برحمة ورفق ورأفة وتعطّف وقال : ألك حاجة ؟ قلت : نعم ، فأخبرته الخبر ، فبكى ثمّ قال : اللهم أنت الشاهد عليّ وعليهم ، وإنّي لم آمرهم بظلم خلقك ، ثمّ أخرج قطعة جلد فكتب : بسم الله الرحمن الرحيم : قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ
--> ( 1 ) نهج البلاغة 461 كتاب رقم : 7 .