عادل عبد الرحمن البدري

83

معالم الفكر السياسي ونظرية الدولة في الإسلام

بالناس وراح في موكبه إلى منزله ، فبينما هو ذات ليلة يطوف إذ سمع قائلا يقول : اللهم إنّا نشكو إليك ظهور البغي والفساد في الأرض ، وما يحول بين الحقّ وأهله من الظلم ، فملأ المنصور مسامعه منه ثمّ استدعاه فقال : ما الذي سمعته منك ؟ قال : إن آمنتني على نفسي نبّأتك بالأمور من أصلها ، قال : أنت آمن على نفسك ، قال : أنت الذي دخله الطمع حتّى حال بينه وبين الحق وحصول ما في الأرض من البغي والفساد ، فإنّ الله سبحانه وتعالى استرعاك أمور المسلمين فأغفلتها ، وجعلت بينك وبينهم حجاباً وحصوناً من الجصّ والآجر وأبواباً من الحديد ، وحجبة معهم السلاح ، واتّخذت وزراء ظلمة وأعواناً فجرة ، إن أحسنت لا يعينوك وإن أسأت لا يردّوك ، وقوّمتهم على ظلم الناس ولم تأمرهم بإعانة المظلوم والجائع والعاري ، فصاروا شركاءك في سلطانك ، وصانعتهم العمّال بالهدايا خوفاً منهم ، فقالوا : هذا قد خان الله فما لنا لا نخونه فاختزنوا الأموال ، وحالوا دون المتظلم ودونك فامتلأت بلاد الله فساداً وبغياً وظلماً ، فما بقاء الإسلام وأهله على هذا ؟ وقد كنت أسافر إلى بلاد الصين وبها ملك قد ذهب سمعه ، فجعل يبكي فقال له وزراؤه : ما يبكيك ؟ فقال : لست أبكي على ما نزل من ذهاب سمعي ، ولكن المظلوم يصرخ بالباب ولا أسمع نداءه ، ولكن إن كان سمعي قد ذهب فبصري باق ، فنادى في الناس : لا يلبس ثوباً أحمر إلّا مظلوم ، فكان يركب الفيل في كلّ طرف نهار هل يرى مظلوماً فلا يجده . هذا وهو مشرك بالله ، وقد غلبت رأفته بالمشركين على شحّ نفسه ، وأنت مؤمن بالله وابن عمّ رسول الله ( ص ) ولا تغلبك رأفتك بالمسلمين على شحّ نفسك ، فإنّك لا تجمع المال إلّا لواحدة من ثلاث ، إن قلت إنّك تجمع لولدك فقد أراك الله تعالى الطفل الصغير يخرج من بطن أمّه لا مال له فيعطيه ، فلست بالذي تعطيه ، بل الله سبحانه هو الذي يعطي ، وإن قلت : أجمعها لتشييد سلطاني ، فقد أراك الله القدير عبراً في الذين تقدّموا ، ما أغنى عنهم ما جمعوا من الأموال ولا ما أعدّوا من السلاح ، وإن قلت أجمعها لغاية هي أحسن من الغاية التي أنا فيها ، فوالله ما فوق ما أنت فيه منزلة إلّا العمل الصالح . يا هذا