عادل عبد الرحمن البدري
79
معالم الفكر السياسي ونظرية الدولة في الإسلام
وأجهزتهم ، فقال لعمر بن حنظلة - حين سأله عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان أو إلى القضاة أيحلّ ذلك ؟ - من تحاكم إليهم في حقّ أو باطل فكأنّما تحاكم إلي الطاغوت المنهي عنه ، وما حكم له به فإنّما يأخذ سحتاً وإن كان حقّه ثابتاً له ، لأنّه أخذه بحكم الطاغوت ومن أمر الله عزوجلّ أن يكفر به « 1 » وفي هذا الخبر ما يشعر من حساسية وتألم وتحرّج واضح من الظلم والجور ، ومذهب الصادق ( ع ) هذا هو اهتداء بقوله تعالى : وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ « 2 » وقد تساءل أبرز أصحاب الصادق ( ع ) وهو أبو بصير الراوية المشهور عن سرّ عدم تقييد وتخصيص الآية الكريمة بلفظ الحكّام الظلمة أو الجائرين أو ما شاكل ذلك ، فأجابه الصادق ( ع ) بالقول : إنّ الله قد علم أنّ في الأمّة حكّاماً يجورون ، أما إنّه لم يعن حكّام العدل ولكنّه عني حكّام الجور « 3 » . فالحاكم العادل ملاذ الناس كلّهم ، ولا يخصّ طائفة دون طائفة ، ويفهم من الأحاديث الواردة عن المعصومين ( ع ) بأنّ الأمّة بإمكانها أن تحلّ منازعات أفرادها بخصوص الملكية أو الأحوال الشخصية وغيرها خارج الأجهزة القضائية ، كما يفهم من رواية عمر بن حنظلة المتقدمة عن رجلين اختلفا قائلًا : فكيف يصنعان وقد اختلفا ؟ قال الصادق ( ع ) : ينظران إلي من كان منكم قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا ، وعرف أحكامنا ، فليرض به حكماً ، فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً « 4 » . ومفهوم الظلم أكثر وضوحاً وصراحة وتجسّداً من مفهوم الطاغوت وغيره ، لذا حين يتحدّث القرآن الكريم عن الظلم نجده يتحدّث لأذهان قد وضحت لديها حقيقة الظلم ومتجسداته ، فالخطاب يرد بلهجة شديدة مفعمة بالوعيد والعذاب الأبدي ، كما في قوله
--> ( 1 ) وسائل الشيعة 18 ص 4 و 75 ، مستدرك الوسائل 187 : 3 . ( 2 ) البقرة : 188 . ( 3 ) تهذيب الأحكام 219 : 6 ح 715 . ( 4 ) الاحتجاج للطبرسي : 355 .