عادل عبد الرحمن البدري
76
معالم الفكر السياسي ونظرية الدولة في الإسلام
وللعدالة عدّة خصائص تمثّل الجوانب المختلفة للعدالة كمبدأ سياسي فهي حقيقة حضارية ، لأنّها تعبر عن حضارة معيّنة ، وقد تعبّر عن ذاتية فردية ، كما أنّها بحكم طبيعتها تفترض الحياد ، وهي في أبسط معانيها تعني إعطاء كلّ ذي حقّ حقّه . بهذا المعنى قد توصف بأنّها عدالة مساواة ، أي أنّ كلّ صاحب حق لا يختلف عن أيّ صاحب حقّ آخر في الحصول على حقّه . وقد توصف بأنّها عدالة توزيعية . ومبدأ العدالة هو ذلك التطبيق الواحد للحكم الواحد ، كما تعني أكثر من ذلك بعدا ، بمعنى أن صياغة الحكم في ذاته يجب أن تعبّر عن مفاهيم أكثر بعداً من مبدأ المساواة ، فمبدأ العدالة لا يعني سوى السياسة التشريعية . أمّا مبدأ المساواة فتعني السياسية الجزائية . والسياسة التشريعية تدور حول الأهداف الباطنة التي منها تنبع مفاهيم الصياغة للقواعد ، أمّا السياسية الجزائية فلا تعني سوى الآثار المترتّبة على الإخلال بالقواعد . إذن فالعدالة في أبسط معانيها إعطاء كلّ ذي حقّ حقّه ، أو كما يطلق عليها تعبير الإنصاف . والمفهوم بهذا المعنى يفترض تحديد معنى الحقّ « 1 » ، لأننا لا نستطيع أن نحدّد ما يستحقّ الشخص قبل أن نحدّد ما ينبعي أن نعطيه له ، على أن الفقه ، في جانبه الأعم يري أنّ مفهوم العدالة يعبّر عن افتراض ذو سمة مطلقة ، فالعدالة كمفهوم يقتضي وجودها توافر أركان ثلاثة : هي الحقيقة ، العمومية ، المساواة في المعاملة للحالات المتساوية . ويرتفع مفهوم العدالة ليصل إلى مستوى قمّة الهرم القيمي في الحضارة الإسلامية التي جعلت من مبدأ العدالة المحور الذي يسيطر على جميع أبعاد الحركة ، والذي يتحكّم في جميع أبعاد التطوّر . ولقد أصبح مبدأ العدالة في الإسلام هو الهدف الأسمى الذي تسعى الجماعة السياسية إلى تحقيقه ، كما يمثل الهدف الثابت والقيمة العليا للنظام السياسي الإسلامي « 2 » ولهذه
--> ( 1 ) تناول المؤلّف في كتاب أثر الرسول المصطفى في التكوين الحضاري والمدني مفهوم الحقوق في ص 319 فراجع هناك . ( 2 ) إسماعيل عبد الفتاح ، القيم السياسية في الإسلام ص 45 .