عادل عبد الرحمن البدري
51
معالم الفكر السياسي ونظرية الدولة في الإسلام
والرّفق ، ومنها أهل الجزية والخراج من أهل الذّمة ومسلمة الناس ، ومنها التجّار وأهل الصناعات ، ومنها الطبقة السفلى من ذوي الحاجة والمسكنة ، وكلّ قد سمّى الله له سهمه ، ووضع على حدّه فريضة في كتابه أو سنّة نبّيه ( ص ) عهداً منه عندنا محفوظاً . فالجنود بإذن الله حصون الرعيّة ، وزين الولاة وعزّ الدين وسبل الأمن ، وليس تقوم الرعيّة إلّا بهم ، ثمّ لا قوام للجنود إلّا بما يخرج الله لهم من الخراج الذي يقوون به على جهاد عدوّهم ويعتمدون عليه فيما يصلحهم ويكون من وراء حاجتهم ، ثمّ لا قوام لهذين الصنفين إلّا بالصنف الثالث من القضاة والعمّال والكتّاب ، لما يحكمون من المعاقد ، ويجمعون من المنافع ، ويؤتمنون عليه من خواصّ الأمور وعوامّها ، ولا قوام لهم جميعاً إلّا بالتجّار وذوي الصناعات ، فيما يجتمعون عليه من مرافقهم ويقيمونه من أسواقهم ، ويكفونهم من الترفّق « 1 » بأيديهم ما لا يبلغه رفق غيرهم . ثمّ الطبقة السفلى من أهل الحاجة والمسكنة الذين يحقّ رفدهم « 2 » ومعونتهم . وفي الله لكلّ سعة ، ولكلّ على الوالي حقّ بقدر ما يصلحه ، وليس يخرج الوالي من حقيقة ما ألزمه الله من ذلك إلّا بالاهتمام والاستعانة بالله ، وتوطين نفسه على لزوم الحقّ والصبر عليه فيما خفَّ عليه أو ثقل . فولّ من جنودك أنصحهم في نفسك لله ولرسوله ولإمامك وأنقاهم جيباً « 3 » وأفضلهم حلماً . ممّن يبطئ عن الغضب ، ويستريح إلى العذر ، ويرأف بالضعفاء ، وينبو « 4 » على الأقوياء وممّن لا يثيره العنف ، ولا يقعد به الضعف . ثمّ الصق بذوي المروءات والأحساب ، وأهل البيوتات الصالحة والسوابق الحسنة ، ثمّ أهل النجدة والشجاعة ، والسخاء والسماحة ، فإنّهم جماع من الكرم ، وشعب من العرف . ثمّ تفقّد من أمورهم ما يتفقّد الوالدان من ولدهما ، ولايتفاقمنّ « 5 » في نفسك شيء قوّيتهم
--> ( 1 ) الترّفق هنا جاء بمعنى التكسّب . والمرافق : المنافع . اللسان ( رفق ) . ( 2 ) الرفد : العطاء والمعونة . اللسان ( رفد ) . ( 3 ) نقاء الجيب هنا كناية عن الطهارة وسلامة القلب والصدر والنزاهة والأمانة . ينظر شرح النهج لابن ميثم 160 : 5 ( 4 ) النبو هنا جاء بمعنى الارتفاع وعدم الموافقة . اللسان ( نبا ) . ( 5 ) تفاقم الأمر : أي عظم . اللسان ( فقم ) .