عادل عبد الرحمن البدري
48
معالم الفكر السياسي ونظرية الدولة في الإسلام
ثمّ اعلم يا مالك ، أنّي قد وجّهتك إلى بلاد قد جرت عليها دول قبلك من عدل وجور ، وأنّ الناس ينظرون من أمورك في مثل ما كنت تنظر فيه من أمور الولاة قبلك ، ويقولون فيك ما كنت تقول فيهم ، وإنّما يُستدلّ على الصالحين بما يجري الله لهم على ألسن عباده ، فليكن أحبّ الذخائر إليك ذخيرة العمل الصالح ، فاملك هواك وشحّ بنفسك عمّا لايحلّ لك ، فإنّ الشحّ بالنفس الإنصاف منها فيما أحبّت أو كرهت ، وأشعر قلبك الرحمة للرعيّة ، والمحبّة لهم واللطف بهمز ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم ، فإنّهم صنفان : إمّا أخ لك في الدين ، أو نظير لك في الخلق يفرط منهم الزلل ، وتعرض لهم العلل ، ويُؤتى على أيديهم في العمد والخطأ ، فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحبّ وترضى أن يعطيك الله من عفوه وصفحه ، فإنّك فوقهم ووالي الأمر عليك فوقك . والله فوق من ولّاك ، وقد استكفاك أمرهم ، وابتلاك بهم . ولا تنصبنّ نفسك لحرب الله ، فإنّه لا يد لك بنقمته ، ولا غنى بك عن عفوه ورحمته . ولا تندمنّ على عفو ، ولا تبجحنّ بعقوبة ، ولا تُسرعن إلى بادرة وجدت منها مندوحة « 1 » ، ولاتقولنّ : إنّي مؤمّر آمر فأُطاع ، فإنّ ذلك إدغال في القلب ، ومنهكة للدين وتقرّب من الغير « 2 » . وإذا أحدث لك ما أنت فيه من سلطانك أبّهة أو مخيلة « 3 » فانظر إلى عظم ملك الله فوقك ، وقدرته منك على ما لا تقدر عليه من نفسك ، فإنّ ذلك يطامن إليك من طماحك ، ويكفّ عنك من غربك « 4 » ، ويفيء إليك بما عزب « 5 » عنك من عقلك . إيّاك ومساماة الله في عظمته ، والتشبّه به في جبروته ، فإنّ الله يذلّ كل جبّار ، ويهين كلّ مختال .
--> ( 1 ) مندوحة : سعة وفسحة وبدّ . أساس البلاغة 431 : 2 ( ندح ) . ( 2 ) الغِيَر : من تغيّر الحال . وغير الدهر : أحواله المتغيّرة . لسان العرب ( غير ) . ( 3 ) الخيلة : التكبّر . اللسان ( خيل ) . ( 4 ) الغرب : الحدّة . اللسان ( غرب ) . ( 5 ) عزب : بعد وغاب . اللسان ( عزب ) .