عادل عبد الرحمن البدري
46
معالم الفكر السياسي ونظرية الدولة في الإسلام
وشهواته ، ذائباً في كتلة الجماعة ، بارّاً بهم دانياً منهم ، رافعاً رأسه لربّه شكراً وعبادةً على هذه المسؤولية والتشريف والأمانة التي قلّدها الله في عنقه وفي عنق كلّ الحكّام ، تلك هي السلطة والحكومة ، ومسؤولية إدارة الدولة . وهذه الجماعة الحاكمة أرادها الله لخدمة عباده وتيسير أمورهم . فهذا الاختيار والتفضيل يوجب مزيداً من الشكر والطاعة للخالق الذي وضع رقاب عباده أمانة بيده . فعليّ ( ع ) يقدّم لنا نظرية الخدمة السياسية أو حكومة الخدمات ، أو الوظيفة السياسية لرئيس الدولة بصفته الخادم الأوّل للأمّة . وكذا قول علي ( ع ) الآخر إلى مصقلة بن هبيرة الشيباني ، وهو عامله على أردشير خرّة : بلغني عنك أمر إنْ كنت فعلته فقد أسخطت إلهك ، وعصيت إمامك : أنّك تُقسم فيء المسلمين الذي حازته رماحهم وخيولهم وأريقت عليه دماؤهم فيمن اعتامك « 1 » من أعراب قومك « 2 » . فهنا يقرّر علي ( ع ) مبدأ التقسيم العادل للثروة ، وأنّ الثروات التي تستحوذ عليها السلطة السياسية ما هي إلّا ملك للشعوب . وما يُصار إلى خزانة الحكومة ما هو إلّا حق محفوظ لأصحابه يجب أن يصل إليهم ، لأنّه حصيلة جهودهم وسيوفهم ، وضع في خزانة الدولة ليحفظ ويقسم وفق ضوابط ومعايير عادلة . ولم تكن المسؤولية والإمارة في نظر علي ( ع ) غنيمة يتقاسمها الأمير والحاكم مع قومه وعشيرته ، وإنّما هي تكليف وأداء واجب وفرض يؤدّى ، وما على الحاكم إلّا أن يكون أميناً صادقاً جادّاً في عمله وأمانته ، فدراهم معدودات صبّها عامل عليّ ( ع ) في حجر واحد من أعراب قومه أثارت غضبه ( ع ) وسجرت في نفسه شعلة من الحرص والقلق على الأموال العامة التي حيزت في ساحات الجهاد والعمل ، ودراهم قليلة لم تكن تعني شيئاً في اقتصاد دولة فتية مزدهرة مقبلة على فتوحات عظيمة ، ولكنّها السياسة العلوية التي تعطي الدروس والنظريات في كيفية إدارة الدولة وكيفية المحافظة على المال العام وعدم التفريط به .
--> ( 1 ) اعتامك : اختارك ، وأصله أخذ العيمة ، وهي خيار المال والمتاع . اللسان ( عيم ) . ( 2 ) نهج البلاغة ص 415 كتاب رقم 43 .