عادل عبد الرحمن البدري

42

معالم الفكر السياسي ونظرية الدولة في الإسلام

يكون الفكر السياسي أوسع وأقدم من النظرية السياسية ، وعليه فالفكر السياسي يقدّم للباحث والدارس السياسي مادّة غنية للقيام بعملية التنظير والبحث ؛ ولذلك ينبغي أن يتوجّه الباحث للنظر إلي الفكر السياسي الذي يقدّمه القرآن الكريم أوّلًا ، والذي يمكن الباحث من تأسيس وإيجاد نظريات ذات أهمية كبيرة تعين المتخصص في العلوم والدراسات السياسية ، فقوله تعالى : وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا « 1 » يؤصّل نظرية التجربة السياسية والاطلاع والاستقصاء ، والتريّث في اتخاذ القرار السياسي ، أو خوض أيّ ممارسة سياسية لئلا يقع الإنسان في تخبّط وفوضى سلوك سياسي يُحسب عليه ويُسجّل في ملفاته . ويتحدث الأستاذ لؤي صافي عن مصادر وأصول إسلامية تساعد الباحث في عملية التنظير السياسي ، وهي النصوص الدينية ، منها نصوص القرآن الكريم ، فيقول : تشكّل نصوص الوحي المصدر الأساسي الأول للتنظير السياسي . ونحن إذ نقرّر ذلك لا نأتي بجديد ، بل نؤكّد القاعدة التي اعتمدها علماء المسلمين الأوائل ، لكن مصدرية النصّ المنزل لا تعني بأيّ حال أن يقوم المنظّر بسوق اتفاقي لنصوص مختارة دعماً لمقولاته وأطروحاته ، بل لابدّ من ارتكاز النظرية السياسية على منظومة من المبادئ والقواعد العامّة مستخرجة من النصوص عبر عملية استقراء شامل لكافّة النصوص المتعلّقة بالظاهرة المدروسة . وتمرّ عملية الاستقراء هذه عبر عدد من الخطوات المتعاقبة والمترابطة يمكن تلخيصها على النحو التالي : أولًا : اختيار النصوص التي تتناسب من حيث الموضوع أو المصطلح مع الظاهرة المعنية . فعند دراسة ظاهرة القيادة السياسية مثلًا يعمد الباحث إلى انتقاء النصوص التي تناسب موضوع البحث ، فيتعقّب النصوص التي تتضمّن مصطلحات قرآنية متكافئة لمصطلح القيادة مثل « ولاية الأمر » و « الإمامة » أو تحتوي معاني ودلالات مناسبة للظاهرة المدروسة .

--> ( 1 ) الإسراء : 36 .