عادل عبد الرحمن البدري

35

معالم الفكر السياسي ونظرية الدولة في الإسلام

النزعات الأصيلة ، ويضمن إشباعها إلى أقصى حدّ على حساب النزعات الأخرى . فالحرّية مثلا وإن كانت نزعة أصيلة في الإنسان لأنّه يرفض بطبعه القسر والضغط الإكراه ، ولكن لهذا الإنسان حاجات جوهرية وميولا أصيلة أخرى ، فهو بحاجة ماسّة مثلًا إلى شيء من السكينة والاطمئنان في حياته ، لأنّ القلق يرعبه كما ينغّصه الضغط والإكراه ، فإذا فقد كلّ الضمانات التي يمكن للمجتمع أن يؤدّيها له في حياته ومعيشته ، خسر بذلك حاجة من حاجاته الجوهرية ، وحرم من إشباع ميله الأصيل إلى الاستقرار والثقة ، كما أنه إذا خسر حرّيته تماماً ، وقام جهاز اجتماعي يملي عليه إرادته بالضغط والإكراه ، كان قد فقد حاجة جوهرية أخرى ، وهي حاجته إلى الحرية التي تعبر عن نزعة أصيلة في نفسه . فالتوفيق الدقيق الحكيم بين حاجة الإنسان الأصيلة إلى الحرية ، وحاجته الأصيلة إلى شيء من الاستقرار والثقة وسائر حاجاته الأصيلة الأخرى ، هو العملية التي يجب أن يؤديها المذهب للإنسانية إذا حاول أن يكون واقعياً قائماً على أسس راسخة من الواقع الانساني » « 1 » . فهنا يشترك المذهب السياسي والاجتماعي في تلبية هذه الحاجات ومنها الحرية ، حيث تعتبر الحرية من أخطر المفاهيم وأكثرها جدلا واختلافاً في الفكر السياسي والدراسات الحديثة ، فالمطاطية والسعة التي توحي بها هذه المفردة جعلت المفكّرين يتصادمون ، وقد لايلتقون عند نقطة جامعة جاذبة يمكن الانطلاق منها للوقوف على حقيقة هذا المفهوم ، وطرح الرؤى الفكرية والمذهبية المشتركة التي تقف وراء هذا المفهوم وتلج فيه . وعلى العموم الحرّية هي إتاحة الفرصة لجميع الآراء للتعبير عن نفسها ، ولها عدّة مجالات ، منها حرّية التعبير ، وحرّية الممارسة السياسية ، وحرّية الرأي وتشكيل الأحزاب ، وأيضاً الحرّية الاقتصادية والسياسية ، وحرّية المعتقدات وغيرها ، ولكن المفهوم السائد للفكر الحديث والفكر العقلاني للحرّية أن تفعل ما تشاء بشرط ألّا تضرّ حرّية

--> ( 1 ) محمد باقر الصدر ، اقتصادنا ص 290 .