عادل عبد الرحمن البدري
33
معالم الفكر السياسي ونظرية الدولة في الإسلام
شريد ناد « 1 » ، وخائف مقموع « 2 » ، وساكت مكعوم « 3 » ، وداع مخلص ، وثكلان موجع ، قد أخملتهم التقيّة وشملتهم الذلّة فهم في بحر أجاج « 4 » ، أفواههم ضامزة « 5 » ، وقلوبهم قرحة قد وعظوا حتى ملّوا ، وقهروا حتّى ذلّوا ، وقتلوا حتّى قلّوا « 6 » . وقدّم علي ( ع ) دراسة عن أحوال المجتمع الإسلامي واتجاهاته ومستوى تفكير الأفراد فيه وطبقاتهم ، ويلحظ القارئ أنّه ( ع ) سبر أغوار هؤلاء الذين تغلغلوا في ثنايا المجتمع فأثّروا فيه ، وفي تشكيل درجة الوعي والإدراك الاجتماعي والعقائدي فيه فيقول ( ع ) : إنّ في أيدي الناس حقّاً وباطلا ، وصدقاً وكذباً وناسخاً ومنسوخاً ، وعامّاً وخاصّاً ، ومحكماً ومتشابهاً ، وحفظاً ووهماً ، ولقد كُذب على رسول الله ( ص ) على عهده ، حتّى قام خطيباً فقال : من كذب عليّ متعمداً فليتبوّأ مقعده من النار . وإنّما أتاك بالحديث أربعة رجال ليس لهم خامس : رجل منافق مظهر للإيمان متصنّع بالإسلام ، ولا يتأثَّم ولا يتحرّج ، يكذب على رسول الله ( ص ) متعمّداً ، فلو علم الناس أنّه منافق كاذب لم يقبلوا منه ، ولم يصدّقوا قوله ، ولكنّهم قالوا : صاحب رسول الله ( ص ) رآه وسمع منه . ولقف عنه ، فيأخذون بقوله ، وقد أخبرك الله عن المنافقين بما أخبرك ، ووصفهم بما وصفهم به لك ثمّ بقوا بعده ، فتقرّبوا إلى أئمّة الضلالة ، والدعاة إلى النار بالزور والبهتان ، فولّوهم الأعمال ، وجعلوهم حكّاماً على رقاب الناس ، فأكلوا بهم الدنيا ، وإنّما الناس مع الملوك والدنيا إلّا من عصم الله فهذا أحد الأربعة . ورجل سمع من رسول الله شيئاً لم يحفظه على وجهه ، فوهم فيه ، ولم يتعمّد كذباً ، فهو في يديه ، ويرويه ويعمل به ويقول : أنا سمعته من رسول الله ( ص ) ، فلو علم المسلمون أنّه
--> ( 1 ) الناد : من ندّ البعير نداداً ، إذا شرد . اللسان ( ندد ) . ( 2 ) مقموع : من قولهم : قمع في بيته وانقمع ، دخله مستخفياً . اللسان ( قمع ) . ( 3 ) الكعام : شيء يجعل على فم البعير ، يقال : كعم البعير يكعمه كعماً فهو مكعوم وكعيم . اللسان ( كعم ) واستعير للذي لا يتكلم ومنع من الكلام . ( 4 ) أجاج شديد الملوحة والمرارة . اللسان ( أجج ) . ( 5 ) الضامز : الساكن الذي لا يتكلم . اللسان ( ضمز ) . ( 6 ) نهج البلاغة ص 74 خطبة 32 .