عادل عبد الرحمن البدري
22
معالم الفكر السياسي ونظرية الدولة في الإسلام
والمذهب السياسي يغاير الفكر السياسي ، ولكن لا يعني هذا وجود انفصال وابتعاد بينهما ، وإنّما يعود هذا التغاير إلى طبيعة المذهب السياسي الذي يقوم ويتأسس على مجموعة عقائد وأفكار ورؤى يتسلّح بها المذهب السياسي ، أو قل السياسي الذي يتّصف بها ، لكي يحرك الواقع والحدث ويوجّه السياسي وغيره ويتحكّم بسلوكه ، والمنظومة الكاملة من العقائد والفلسفات التي ينطوي عليها المذهب السياسي تدفع السياسيين وغيرهم إلى ضرورة إصلاح المجتمع وتثويره أو تغييره ، فقولنا : إنّ المذهب السياسي لعلي ( ع ) هو الذي دفعه إلى رفض عروض طلحة والزبير ومعاوية في اقتسام السلطة السياسية وتوزيع الثروة ، أدقّ من قولنا : النظرية السياسية لعلي ( ع ) هي التي دفعته إلى الوقوف بوجه هؤلاء وغيرهم . وعلى العموم يشكل المذهب السياسي جزءً من تاريخ الأفكار السياسية لا كلّها ، فالفكر قد يبدو أوسع وأشمل ، لأنّه يتضمن اتجاهات ونظريات ورؤى ومذاهب غير قابلة للحصر . وقد يضع المفكر السياسي المذاهب السياسية في سياقها التاريخي فينفصل عنها بصفته باحثاً لكن صاحب المذهب يتّصل بمذهبه ويندمج به . وتعرِّف كتب التعجيم المصطلحي المذهب تعريفاً رياضياً جامداً ، فالمذهبية في السياسة وغيرها تعني لديهم الفهم الشكلي للأطروحات ، وهي مستنتجات من العلم بوصفه مجموعة حقائق وتصوّرات وصيغ وتعريفات جامدة « 1 » . والإسلام بوصفه ديناً ومذهباً خاصّاً في كافة مجالات الثقافة والمعرفة ، لايعالج أو يتناول الظواهر السياسية وغيرها تناولًا علمياً مدرسياً جامداً ، وإنّما يعالج الظاهرة السياسية ، باعتبارها حركة وانعكاساً اجتماعياً نشأت وبرزت من اعتقاد وثقافة وفكر ، فيسعى إلى التأثير في مؤثّرات الظاهرة والحدث والفكر السياسي ويدعو إلى توجيهه الوجهة التي يراها ، فيقوم بدور بنائي وتأسيسي ، ولهذا يعتقد الكثير بأنّه لا يمكن فصل علوم السياسية عن علم الاجتماع ، لأن المجتمع هو الأرضية والبيئة التي تصنع الحدث
--> ( 1 ) ينظر مفاتيح العلوم الإنسانية ص 381 رقم 1287 .