عادل عبد الرحمن البدري

103

معالم الفكر السياسي ونظرية الدولة في الإسلام

وقد أكدت نصوص القرآن الكريم مفهوم الحريّة والاختيار في آيات عديدة منها قوله تعالى : وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ « 1 » فالنجدان هنا سبيل الخير وسبيل الشرّ « 2 » وكقوله تعالى : إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً « 3 » وقوله تعالى : وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها ، فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها « 4 » أي عرّفها وألهمها ، ثمّ خيرّها فاختارت « 5 » وكقوله تعالى حاكياً عن نوح ( ع ) : قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَ نُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ « 6 » أي عليّ أن أدلّكم على الهداية بالبيّنة ، ليس اضطرّكم إلى معرفتها . وبمعنى آخر : إن هداني الله وأضلّكم ! أجبركم على الهدى وأنتم كارهون « 7 » . وكقوله تعالى : لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ « 8 » . وقوله تعالى : قُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ « 9 » . وقوله تعالى : وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ « 10 » . فالخالق لم يرد لعباده أن يكونوا طائعين لأنبيائه وأوصيائه طاعة عمياء ، بدون نظر وبصيرة وتفكّر ، وقناعة داخلية تحملهم على اختيار الهداية والتحرك نحوها بمحض إرادتهم ، وكأنّ الآية توحي للإنسان بأن يتأمّل ويراجع ويتساءل ، وهذا من حقّ العبد فترى هنا احترام السيّد لإرادة عبيده وإطلاق عنانهم لإدراك الأمور والتبصّر بها وفقاً لإرادتهم .

--> ( 1 ) البلد : 10 . ( 2 ) ينظر مجمع البيان للطبرسي 494 : 5 ، تفسير البيضاوي 56 : 2 . ( 3 ) الإنسان : 3 . ( 4 ) الشمس : 7 و 8 . ( 5 ) تفسير علي بن إبراهيم القمي 422 : 2 ، مجمع البيان 498 : 5 . ( 6 ) هود : 28 . ( 7 ) التسهيل لعلوم التنزيل 190 : 2 ، مجمع البيان 155 : 3 . ( 8 ) البقرة : 256 . ( 9 ) الكهف : 29 . ( 10 ) يونس : 99 .