السيد منذر الحكيم
89
مجتمعنا في فكر وتراث الشهيد السيد محمد باقر الصدر
فما هي تلك الفكرة ؟ « إنّ تلك الفكرة تتلخّص في التفسير المادّي المحدود للحياة ، الذي أشاد عليه الغرب صرح الرأسمالية الجبّار . فإنّ كلّ فرد في المجتمع إذا آمن بأنّ ميدانه الوحيد في هذا الوجود العظيم هو حياته المادّية الخاصّة ، وآمن أيضاً بحرّيته في التصرّف بهذه الحياة واستثمارها ، وأ نّه لا يمكن أن يكسب من هذه الحياة غايةً ، إلّااللذّة التي توفّرها له المادّة ، وأضاف هذه العقائد المادّية إلى حبّ الذات - الذي هو من صميم طبيعته - فسوف يسلك السبيل الذي سلكه الرأسماليون ، ويُنفِّذ أساليبهم كاملةً ما لم تُحرِمه قوّة قاهرة من حرّيته وتسدّ عليه السبيل . وحبّ الذات هو الغريزة التي لا نعرف غريزةً أعمَّ منها وأقدم ، فكلّ الغرائز فروع هذه الغريزة وشُعَبها ، بما فيها غريزة المعيشة . فإنّ حبّ الإنسان ذاته - الذي يعني حبّه للّذّة والسعادة لنفسه ، وبغضه للألم والشقاء لذاته - هو الذي يدفع الإنسان إلى كسب معيشته ، وتوفير حاجياته الغذائية والمادّية . ولذا قد يضع حدّاً لحياته بالانتحار ، إذا وجد أنّ تحمّل ألم الموت أسهل عليه من تحمّل الآلام التي تزخر بها حياته . فالواقع الطبيعي الحقيقي إذاً الذي يكمن وراء الحياة الإنسانية كلّها ، ويوجّهها بأصابعه هو حبّ الذات ، الذي نعبِّر عنه بحبّ اللذّة وبغض الألم . ولا يمكن تكليف الإنسان أن يتحمّل - مختاراً - مرارة الألم دون شي من اللذّة ، في سبيل أن يلتذّ الآخرون ويتنعّموا ، إلّاإذا سُلبت منه إنسانيته وأعطي طبيعةً جديدةً ، لاتتعشّق اللذّة ، ولا تكره الألم . وحتّى الألوان الرائعة من الإيثار التي نشاهدها في الإنسان ، ونسمع بها عن تأريخه ، تخضع في الحقيقة أيضاً لتلك القوّة المحرّكة الرئيسية « غريزة حبّ الذات » . فالإنسان قد يؤثِر ولده أو صديقه على نفسه ، وقد يُضحّي في سبيل بعض المُثل