السيد منذر الحكيم
59
مجتمعنا في فكر وتراث الشهيد السيد محمد باقر الصدر
اللَّه على هذا الموضوع بيان هويّة هذه الامّة وتميز شخصيتها ، بقوله تعالى : ( وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ . . . ) « 1 » . ومن خلال هذه المقارنة ، نستنتج أنّ القرآن الكريم حينما يؤكّد هنا على مفهوم الامّة يُعبّر بها عن الجماعة التي يشترك أفرادها في التاريخ المعنوي - العقائدي والسلوكي - : ( . . . بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً ) « 2 » ، وفي سورة الحجّ ( مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ . . . ) « 3 » ، وكذلك يشترك أبناؤها في العقيدة والسلوك الاجتماعي ، القائم على هذه العقيدة ، ويؤكّد ذلك ما جاء في الآيات الأخرى ، التي وردت فيها لفظة « امّة » بمعناها الثاني الاجتماعي ، مثل قوله تعالى : ( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) « 4 » ، إذ جعلت الآية المباركة الرابطة بين أفراد هذه الامّة التي يراد تكوينها ، هي سلوكها الاجتماعي العامّ ، وهو الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، وبهذه الروابط العقائدية والمعنوية تتقوّم الامّة وتترابط فيها بينها ، ومثل قوله تعالى : ( وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ) « 5 » ، فالأجل الذي تتحدّث عنه هذه الآية الكريمة ليس الأشخاص ، أو الموت والحياة المادّيين لهم ، بل هو الأجل للعلاقات ، التي تربط بين هؤلاء الأشخاص عقائدياً وسلوكياً ،
--> ( 1 ) البقرة : 143 . ( 2 ) ) البقرة : 135 . ( 3 ) الحج : 78 . ( 4 ) آل عمران : 104 . ( 5 ) ) الأعراف : 34 .