السيد منذر الحكيم

113

مجتمعنا في فكر وتراث الشهيد السيد محمد باقر الصدر

النظام الاجتماعي الذي آمنت به اوروبّا والمبادئ الاجتماعية التي نادت بها وطبّقتها ، لم تكن نتيجةً لدراسة علمية تجريبية ، بل كانت نظريةً أكثر منها تجريبية ، ومبادئ فلسفيةً مجرّدةً أكثر منها آراء علمية مجرّبة ، ونتيجة لفهم عقلي وإيمان بقيم عقلية محدودة أكثر من كونها نتيجةً لفهم استنتاجي ، وبحث تجريبي في حاجات الإنسان وخصائصه السيكولوجية ، والفسيولوجية ، والطبيعية . فإنّ من يدرس النهضة الاوروبّية الحديثة - كما يسمّيها التاريخ الاوروبّي - بفهم ، يستطيع أن يُدرك أنّ اتّجاهها العامّ ، في ميادين المادّة ، كان يختلف عن اتّجاهها العامّ في الحقل الاجتماعي ، والمجال التنظيمي للحياة . فهي في ميادين المادة كانت علمية ، إذ قامت أفكارها عن دنيا المادّة على أساس الملاحظة والتجربة ، فأفكارها عن تركيب الماء والهواء ، أو عن قانون الجذب ، أو فلق الذرّة ، أفكار علمية مستمدّة من الملاحظة والتجربة . وأمّا في الميدان الاجتماعي ، فقد تكوّن العقل الغربي الحديث على أساس المذاهب النظرية ، لا الأفكار العلمية . فهو ينادي - مثلًا - بحقوق الإنسان العامّة ، التي أعلنها في ثورته الاجتماعية . ومن الواضح أنّ فكرة الحقّ نفسها ليست فكرةً علمية ؛ لأنّ حقّ الإنسان في الحرّية - مثلًا - ليس شيئاً مادّياً قابلًا للقياس والتجربة ، فهو خارج عن نطاق البحث العلمي ، وإنّما الحاجة هي الظاهرة المادّية التي يمكن أن تُدرس علمياً . وإذا لاحظنا مبدأ المساواة بين أفراد المجتمع ، الذي يُعتبر - من الوجهة النظرية - أحد المبادئ الأساسية للحياة الاجتماعية الحديثة ، فإنّنا نجد أنّ هذا المبدأ لم يُستنتج بشكل علميّ من التجربة والملاحظة الدقيقة ؛ لأنّ الناس في مقاييس العلم ليسوا متساوينَ إلّافي صفة الإنسانية العامّة ، ثمّ هم مختلفون بعد ذلك في مزاياهم الطبيعية ، والفسيولوجية ، والنفسية ، والعقلية ، وإنّما يعبّر مبدأ المساواة عن قيمة خُلقية هي من مدلولات العقل ، لا من مدلولات التجربة .