الشيخ محمد علي التسخيري
66
ماضي المرجعية الشيعية وحاضرها
الأخلاقية التي تركت - كما قلنا - أثرها الكبير في ايجاد نهضة أخلاقية في المجتمع آنذاك . ه - - توضيح الموقف السليم من الحاكمين وذوي الأهواء التسلّطية لقد أدرك الإمام الصادق ( عليه السلام ) أبعاد الموقف السياسي الذي أحاط به تماماً ، وعلم بأنّ جلّ الصراع حول الحكم إنّما هو صراع أهواء ونزاع نزعات ، قبل أن يكون صراعاً على المبادئ . وقد أثبت التاريخ بعد ذلك هذه الحقيقة بوضوح ، فلم يكن العهد العبّاسي للمسلمين بأفضل من العهد الأموي ، من حيث الاستبداد والترف والانحراف . وإنّ المرء ليشعر تماماً بعظم الخسائر التي ترتّبت - دونما أية إضافة حضاريّة أو إنسانية - على المسيرة الإسلامية . نعم ، شعر الإمام بذلك ، ولم يفرّط بطاقاته في نزاع من هذا القبيل ، وإنّما استغلّ الموقف - كما قلنا - لينشر الحقائق العلمية الواسعة ، إلّا أن ذلك لا يعني عدم توضيح الموقف السياسي ، فقد كان موقفه واضحاً تماماً سواء تجاه الأمويين أو العبّاسيين أو قادة الثورة فيما بين العهدين ، إذ لم يستطع هؤلاء أن يجرّوه لتحقيق مآربهم أو تأييد مواقفهم مطلقاً ، فكان مغضوباً عليه من قبل هؤلاء الطغاة إلى نهاية حياته . فكم هدّدوه بالقتل ، وأحرقوا عليه داره ، وجلبوه أسيراً ، وأشاعوا الإشاعات حوله ، إلّا أنه بقي رغم كلّ ذلك صامداً لا تهزّه عواصفهم ، وبقيت له مواقفه الخالدة وتعليقاته اللاذعة ضدهم . روى أحمد بن مقداد الرازي : أنه وقع الذباب على وجه المنصور فذبّه فعاد فذبّه فعاد حتى أضجره ، وكان عنده جعفر بن محمّد ( عليه السلام ) في ذلك الوقت ، فقال المنصور : يا أبا عبد الله لِمَ خلق الله الذباب ؟ فقال له الإمام ( عليه السلام ) : « ليذلّ الجبابرة » ولم يحر جواباً « 1 » . وقد أعلن الإمام الصادق ( عليه السلام ) كلمته الصريحة عندما قال : « إنّ في ولاية
--> ( 1 ) الفصول المهمة ، لابن الصباغ المالكي : 224 طبعة الأعلمي .