الشيخ محمد علي التسخيري
58
ماضي المرجعية الشيعية وحاضرها
ننسى الدور الذي تلعبه الشخصية العلمية لأئمة المذاهب في جلب الأتباع والتلامذة والتأثير القويّ على تصوراتهم واتجاهاتهم الفقهية ، ولا ننسى أيضاً دور العامل الجغرافي في تعدد الاتجاهات فقد كان قويّاً . كلّ هذا وغيره أثّر في إيجاد نواة المذاهب الكثيرة التي تنوّعت وتعدّدت قبل أن تنحصر بعد ذلك بزمن طويل تقريباً بمذاهب معيّنة ، وذلك لعوامل أخرى رافقت عملية غلق باب الاجتهاد . ثالثاً : ظاهرة الإفراط في اتّباع الرأي أو رفضه ونستطيع أن نؤكّد هنا أنّ الصراع حول ( الرأي ) بدأ عمليّاً وبشكل طبيعي ، فهل للمجتهد أن يعمل برأيه في فهم الحديث والتعدّي عن مورده وتنقيح مناطه واستخراج قاعدة أوسع تنفعه في مجالات أكبر ؟ أم أنّ عليه أن يتقيّد تمام التقيّد بملابسات النصّ دونما جرأة على تجاوز حدوده ؟ ولكل اتجاه وجهة نظر واستدلال . وربّما كان هذا النزاع العلمي سيثمر خيراً لولا تدخلّ الأهواء السياسية والعوامل الأخرى التي قادته إلى عواقب لا تحمد . فراح هذا يركّز على أهمية الرأي والقياس والاستحسان واتّباع المصلحة إلى حدّ قد يتجاوز كلّ نصّ ويؤدي - أحياناً - إلى دخول الفكر الإنساني إلى ساحة التشريع الإلهي ، وهو خطر كبير . في حين راح الآخر يركّز - احتياطاً لدينه - على حدود النصّ والحديث إلى حد أدّى أحياناً إلى جمود خطير في الفكر . أمّا دور الإمام الصادق ( عليه السلام ) في هذا الالتحام العلمي فقد كان - كما نرى - الدور الحكيم المربّي ، إذ رفض حالات الرأي المفرطة ، مستدلًّا بأروع استدلال ، كما لم يرض للفكر الفقهي أن يجمد على حدود ضيّقة دونما مسوّغ . وقد أدّى موقفه الفقهي الرائع إلى أن تتمّ عملية التقيّد والاحتياط من استعمال القياسات الباطلة ، ممّا خفّف الوطأة بل ربّما أزالها كما في قضية « الاستحسان » إذ تحوّل من عملية قول يستحسنه