الشيخ محمد علي التسخيري

29

ماضي المرجعية الشيعية وحاضرها

التاسعة من عمره ، وكانت هذه المناظرة عبارة عن رهان بين المأمون وبطانته حول علم الإمام الجواد ، وهي في الواقع امتحان أرادوا إحراج الإمام الجواد به مستغلين صغر سنّه « 1 » ، وحين اكتمل المجلس بحضور المأمون وعدد كبير من قادة الدولة والعلماء والرواة وزعماء الأسرة العبّاسية ، طرح يحيى بن أكثم سؤالًا قصيراً على الإمام الجواد حول حكم : ( محرم قتل صيداً ) . فأجابه الإمام الجواد ( عليه السلام ) بصيغة سؤال : « هل قتله في حلّ أو حرم ؟ عالماً كان المحرم أو جاهلًا ؟ قتله عمداً أو خطأً ؟ حرّاً كان المحرم أو عبداً ؟ صغيراً كان أو كبيراً ؟ مبتدئاً بالقتل أو معيداً ؟ من ذوات الطير كان أم من غيرها ؟ من صغار الصيد أم من كباره ؟ مصرّاً على ما فعل أو نادماً ؟ في الليل كان قتله للصيد أم بالنهار ؟ محرماً كان بالعمرة إذ قتله أو بالحجّ كان محرماً ؟ » . فتحيّر يحيى بن أكثم وعجز عن مجاراة الإمام . حينها طلب المأمون من الإمام الجواد أن يفصّل أحكام كلّ تشقيق من التشقيقات ، التي وضعها الإمام للسؤال . فأجاب عليها الإمام الجواد بالتفصيل واحدة تلو الأخرى . ممّا أسقط في يد يحيى وبطانة المأمون ما كانوا يضمرونه للإمام الجواد ( ابن السنوات التسع فقط ) « 2 » . ولعلّ هذه المناظرة وما أسفر عنها من نتائج تكفي وحدها للدلالة على أهمية أسلوب المناظرات وفاعليته في الكشف عن مرجعية أهل البيت ( عليهم السلام ) ، دون أن يؤثر في ذلك سنّ أو زمان أو مكان ، فلا يمكن أن يكون النجاح الدائم والمطلق في المناظرات - التي كان كثير منها يأخذ طابع الامتحان - مجرّد صدفة - فالصدفة هنا مستحيلة - كما يقول أحد الفقهاء « 3 » : لأنها ممكنة في حدود امتحان ما لشخص ما وفي مجال ما ، ولكن أن يكون الامتحان في مختلف المجالات ، ويتكرّر باستمرار ، سواء

--> ( 1 ) انظر : الأصول العامّة للفقه المقارن للسيد محمّد تقي الحكيم : 183 . ( 2 ) انظر : الصواعق المحرقة : 204 ، الاحتجاج : 444 وغيرهما . ( 3 ) الأصول العامّة في الفقه المقارن ، السيد محمّد تقي الحكيم : 184 .