محمد حسين الحسيني الجلالي
186
لباب النقول في موافقات جامع الأصول
فلمّا تاب اللَّه عليهم قال كعب : ما كنت قطّ أقوى منّي في ذلك الوقت الذي خرج رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم إلى تبوك ، وما اجتمعت لي راحلتان قط إلّافي ذلك اليوم ، فكنت أقول : أخرج غداً ، أخرج بعد غد ، فإنّي مقوّى ، وتوانيت وبقيت بعد خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم أيّاماً ، أدخل السوق ولا أقضي حاجة ، فلقيت هلال بن اميّة ومرارة بن الربيع - وقد كانا تخلّفا أيضاً - فتوافقنا أن نبكر إلى السوق ، فلم تقض لنا حاجة ، فما زلنا نقول : نخرج غداً وبعد غد ، حتّى بلغنا إقبال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم ، فندمنا ، فلمّا وافى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم استقبلناه نهنّئه بالسلامة ، فسلّمنا عليه فلم يردّ علينا السلام ، وأعرض عنّا ، وسلّمنا على إخواننا فلم يردّوا علينا السلام ، فبلغ ذلك أهلونا فقطعوا كلامنا ، وكنّا نحضر المسجد فلا يسلّم علينا أحد ، ولا يكلّمنا ، فجئن نساؤنا إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم فقلن : قد بلغنا سخطك على أزواجنا ، أفنعتزلهم ؟ فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم : لا تعتزلنهم ، ولكن لا يقربونكنّ . فلمّا رأى كعب بن مالك وصاحباه ما قد حلّ بهم قال : ما يقعدنا بالمدينة ولا يكلّمنا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم ولا إخواننا ولا أهلونا ؟ فهلمّوا نخرج إلى هذا الجبل ، فلا نزال فيه حتّى يتوب اللَّه علينا أو نموت ، فخرجوا إلى ذناب - جبل بالمدينة - فكانوا يصومون ، وكان أهلوهم يأتونهم بالطعام فيضعونه ناحية ، ثمّ يولّون عنهم فلا يكلّمونهم ، فبقوا على هذا أيّاماً كثيرة يبكون اللّيل والنهار ، ويدعون اللَّه أن يغفر لهم ، فلمّا طال عليهم الأمر قال لهم كعب : يا قوم قد سخط اللَّه علينا ، ورسوله قد سخط علينا ، وإخواننا سخطوا علينا ، وأهلونا سخطوا علينا ، فلا يكلّمنا أحد ، فلم لا يسخط بعضنا على بعض ؟ فتفرّقوا في اللّيل ، وحلفوا أن لا يكلّم أحد منهم صاحبه حتّى يموت أو يتوب اللَّه عليه ، فبقوا على هذه ثلاثة أيّام ، كلّ واحد منهم في ناحية من الجبل ، لا يرى أحد منهم صاحبه ولا يكلّمه ، فلمّا كان في اللّيلة الثالثة ورسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم في بيت امّ سلمة نزلت توبتهم على رسول اللَّه . قوله : « لقد تاب اللَّه بالنبيّ على المهاجرين والأنصار الذين اتّبعوه في ساعة