السيد هادي الخسروشاهي
24
قصة التقريب ، أمة واحدة ، ثقافة واحدة
هذا الحادث المؤلم قد هزّ كيان الشيخ ، فكان ذلك دافعاً قوياً لكي ينتفض ويتحرّك للانخراط في تيار المصلحين الذي يحاول أن يكسر حواجز اللاثقة وسوء الظنّ الحاصل بين الفريقين : السنّة والشيعة ، فعزم على أن يقوم بطرح مشروع تاريخي ، يهدف إلى التقريب بين المذاهب المختلفة ، وإزالة كلّ ما من شأنه أن يثير التفرقة والبغضاء بين المسلمين . وقد اختار مصر لتكون مركزاً لنشاطاته ومشروعه التقريبي ، وذلك لعدّة اعتبارات ، أهمها : كونها تضمّ أكبر مركز إسلامي في العالم ، وهو الجامع الأزهر ، وبما أنّ الشيخ لم يكن يجيد التحدّث باللغة العربية ، لذا فقد جمع حقائبه وذهب إلى لبنان بهدف إتقانها ، فأقام في إحدى القرى يعاشر أبناءها وشيوخها ، ويعكف ليل نهار على ممارسة التحدّث مع الآخرين لأشهر عديدة . وقد سجّل الشيخ ذكرياته في تلك القرية ، أشار إليها في بعض مقالاته وأهمّها حكاية ذلك الرجل النصراني الذي كان يسعى إلى كسب ودّ أبناء تلك القرية ، وكانوا بالمقابل ، يحبوّنه ويحترمونه ، لدرجة أنّه كان إذا خرج إلى الشارع اجتمع حوله الناس يحادثونه ويقبّلون يده ، وقد أثار ذلك الشيخ ، فلقيه يوماً وسأله شخصياً عن سرّ هذا الترحيب ، فأجابه وهو يشير إلى كنيسة القرية حيث توجد بجوارها مدرسة ، بأنّ السبب هو هذا ! وقال : نحن نسعى إلى أن ننشئ إلى جانب كلّ كنيسة مدرسةً فنودع فيها أبناء القرية ، ونحاول أن نرتبط بهم من خلالها فكرياً وروحياً وعاطفياً ، وما تراه إنّما هو من ثمار ذلك ! وقد نبّهت هذه القضية الشيخ رحمه الله إلى سرّ تطوّر الحضارة الإسلاميّة في عصورها الذهبية ، وتتابع انتصاراتها في الميادين ، حيث كان التعليم لا ينفصل عن المسجد في كلّ الأحوال . ثم إنّه رحمه الله ترك لبنان متوجّهاً إلى مصر عام 1938 م ، بعد أن أتقن العربية كتابةً ومحادثة ، وكان أولى الشخصيات التي اتّصل بها هناك هو شيخ الأزهر آنذاك :